آلية السرد الأسطوري للأسماء التاريخية

img

قبل سنين قرأت “في مدارات صوفية” للراحل هادي العلوي، بأنّ لفظ محمّد مجرّد صفة، وأنّ اسمه الحقيقي “قثم”.. ملاحظة عابرة لا تحرّك عقيرة البحث، ثمّ تكرّرت الحالة أثناء مطالعتي للأسباني انطونيو غالا، الذي اعتقد أن اسم طارق بن زياد (فاتح الأندلس) هو حديث العهد في قائمة الأسماء العربية، ومن المستبعد أن يُكنّى به قائد بربريّ، إذ أنّ بعض الدراسات النقدية الحديثة تشكّك أصلا برواية فتح الأندلس، وتعتبرها حكاية أسطورية لماض ضبابيّ، لذا اقترح أن يكون “طارق ” تصحيفا لاسم قائد قوطيّ منشق: تاريكس، على وزن رودريكس (لذريق: آخر ملوك القوط).

 

الباحث نادر قريط

لا أدري إن كان سقوط التفاحة باعثا لاكتشاف قانون الجاذبية، فكثير من الأمور تبدأ بسخرية لاذعة، تلتقطها عين ناقدة، ثمّ تؤول إلى حقيقة جديدة لا يأتيها الباطل..

قبل اكتشاف اللغة المسمارية لوادي النهرين( القرن 19) كانت أوروبا تنظر لأسفار العهد القديم باعتبارها تاريخا حقيقيّا للعالم. وما أن بدأت رحلة فك شيفرة ألواح بابل وآشور وأوغاريت، وما سبقها من نقوش مصرية، حتى تكشّف غطاء القصص التوراتيّ وبانت عوراته ومدى ارتباط مقدسه بميثولوجيا الشرق القديم.

مع نهاية القرن العشرين وبعد قرن من التنقيب الأركيولوجي ونبش أرض فلسطين، رفع الكثير الراية البيضاء، فعلوم الأركيولوجيا أثبتت أسطورية عصر الآباء (بين 1800ق.م و970 ق.م ) وأثبتت تهافت روايته، التي حبكت خيوطها مع الأب إبراهيم ثمّ الخروج من مصر بقيادة موسى واقتحام كنعان، وصولا للمملكة الموحّدة لداوود وسليمان (يهودا والسامرة فيما بعد).

فكلّ هذه الأحداث أصبحت تراثا قصصيا أنتجته مخيّلة الكهنة والكتبة. لكنّ التعرّف على التراث اللغويّ القديم (الأكادي والمصري والآرامي ..إلخ)، أدخل علوم اللسانيات في مرحلة معرفية شائكة. وأسقطها أحيانا في دوائر تأويلية مغلقة.. وذلك بسبب مقدّمات خاطئة فرضت نفسها على ذهنية البحث. فكثير من الباحثين الأوائل كانوا مسكونين بهاجس لاهوتيّ، لإثبات حقيقة الكتاب المقدّس، وتأكيد جغرافيته أو حبيسين للنسق الكرنولوجي وهيمنة الحقب الزمنية المقدّسة.. حتى نيوتن نفسه لم يكن قادرا على تحدّي فكرة خلق العالم في ستّة أيام، ولا جاليليو الذي ارتجفت مفاصله عندما واجهته المحكمة بقصة يشوع واقتحامه لكنعان، وكيف أوقف الله الشمس في السماء. وهذا دليل على بطلان نظريته.

المهمّ أنّ علوم اللسانيات وبحوث المقارنة شقّت طريقها بوعورة.. واختصارا أودّ في هذه المطالعة التوقّف عند محطّات لغوية صرفة، تتناول ظاهرة المكوّنات والدلالات للأسماء المهمّة التي تناولها تراث المقدّس (اليهو ـ مسيحي والإسلامي)، ففيها يقبع جزء مهمّ من آلية السرد الأسطوريّ، وربّما يكشف بدون عناء كيف وَظّفت الرواية تلك الأسماء[أغلب الظنّ أنّها ألقاب أطلقها الكتبة (أو الحكواتية) أثناء بناء الدراما القصصية للأديان].

الأسماء في التراث اليهو ـ مسيحي:

النظر مليّا في الأسماء التي أطلقها العهد القديم على الشخصيات المقدّسة، يستحقّ بحثا طويلا لأنها كثيرة جدّا وتغطّي حقبا زمنية مختلفة، لكنّ روابطها اللغوية والدلالية (السيمانتية) مع لغات المشرق القديمة لا تحتاج عبقرية لتأويلها، فكثير منها أسماء مركّبة منذورة للإله، أو ترتبط بمهنة أو بيئة جغرافية أو تقترن بصفات جسمانية أو معنوية. والكثير منها دُمج مع الإله البابليّ الكنعانيّ “إيل” كإسرائيل وميخائيل.. والبداية تشير إلى سياق قصصيّ توليفيّ، ففي سفر التكوين نعلم أنّ الله أمر “ابرام” بتبديل اسمه ليصبح “إبراهيم” [أب(الكثيرين) أو الأمم]، وبالتأكيد نحن لا نملك وثائق دامغة حول هذا الاتّصال الإبراهيميّ بالإله، لكنّ الملفت أن إبنه “إسماعيل” (سمع الله) تمّت تسميته أيضا من قبل الملاك شخصيا، الذي سمع استغاثة أمّه “هاجر” المصرية في البرية، فرقّ قلبه عليها. بيد أنّ أمثال الهولندي راينهارد دوزي (1) وقفوا عند إشارة توراتية، تحدّثت عن رحيل سبط شمعون ( أحد الأسباط الإثني عشر) أيام الملك شاوول وداوود، وإقامتهم في أرض الحجاز، وهذه الإشارات دعته للاعتقاد بأن قصة إسماعيل(أو إشمعيل) وهاجر التوراتية هي حشو تاريخي أحدثه مدوّنو التوراة متأخّراً، لتبرير رحيل آل شمعون، وما دفعه لهذا الاعتقاد، التشابه اللفظيّ والدلاليّ بين ” إشمعيل وشمعون” ، كما أنّه برأي البعض مؤشّر لبزوغ نجم “العرب” ، وبالتالي كان على كتبة التوراة التودّد لهم ومنحهم شرف القربى، فتركوا الملاك يقول للسيدة هاجر: قومي احملي الصبيّ وخذي بيده فسأجعله أمّة عظيمة. سفر التكوين (19، 21).

واختصارا يمكن لقارئ التوراة أن يجد عددا لا حصر له من الأمثلة التي ربطت الأسماء بتطوّر النسيج الروائيّ للسرد، فإسحق (من ضحك) ويعقوب خرج من رحم أمّه ممسكا بعقب توأمه “عيسو”، أيضا فإن عصر ما قبل الطوفان ربط أسماء آدم وحوّاء بدلالات حادثة الخلق في فردوس عدن (فردوس:لفظ يخص حدائق البيوت في فارس القديمة) ففي تلك الفترة المغرقة بالقدم اعتقد كتبة الأسطورة أن الإله لا يتحدث إلا العبرية ( بالحقيقة هي نفسها الكنعانية).

العهد الجديد:

هنا لا بدّ من وقفة طويلة، فنحن في حقبة تاريخية شديدة التداخل، تهيمن عليها الثقافة الهيلينية (اليونانية الرومانية)، ففلسطين كانت حينها ولاية رومانية تابعة لأغسطس قيصر ومندوبه السامي هيرودوس(ملك اليهودية)، نحن أمام كيان ثقافيّ تمتع بنوع من الاستقلال الدينيّ منذ أيام الحكم الفارسي لأرحششتا الأوّل، وتعيين ساقيه “نحميا” حاكما على يهودا. ومع السيطرة الهلينية بدأ هذا الاستقلال الديني يفقد تماسكه إثر انشقاق طبقتي الصدوقيين والفريسيين. لكن هذه الاستقلالية الدينية اليهودية استمرّت بشكل متذبذب، وصولا للقرن الخامس ميلادي، حتى أن القيصر المسيحي المتزمت والورع تيودوسيوس الأوّل، أعدم نائبه (حاكم فلسطين) بسبب إهانته لبطريرك اليهود. (2)

لكنّ التناقض الجدليّ والخفيّ في مفاصل هذا النسيج التاريخيّ، كان حضور اللغة الآرامية، فالتاريخ يُعلمنا أن يهود الحقبة الهلينية، كانوا يتكلّمون الآرامية ويكتبون بعض أدبهم باليونانية (وهذا لغز محيّر، فلماذا تركوا لغة المقدّس العبرانيّ؟)، لهذا وجب على المسيح أن يتحدّث لغة آرامية، كانت قد امتدّت في العالم القديم لتصبح أيضا لغة الثقافة في المشرق القديم، وصولا إلى قصور الساسانيين.

إلا أنّ قارئ الأناجيل وأعمال الرسل والتراث الكنسيّ، سيصطدم مباشرة بنوع من المركّبات اللغوية، التي تطرح كثيرا من علامات الاستفهام، تصل أحيانا إلى حالة من الارتباك الشديد والتأويل القسريّ للأحداث والأسماء.. فلو استعرضنا قائمة أسماء الرسل وآباء الكنيسة سنجد أنها تخفي هذا الواقع المركّب لصيرورة الحدث المسيحيّ. وباختصار شديد أقدّم فيما يلي إطلالة فيلولوجية قد تساعد في فهم طبيعة السرد الروائي للحدث:

أسماء يشوع ومريم والرسل:

من المثير حقّا أن نعرف أنّ مصادر الأنتيكا الرومانية، التي تناولت قصّة “المسيح” كانت ضئيلة، واقتصرت على بعض الإشارات الهزيلة، التي تعرّضت لحادثة صلبه دون سيرته وتعاليمه. فجوزيفيوس فلافيوس (3) ذكر مثلا إعدام “يعقوب” ووصفه بأنّه أخو يسوع الملقّب بالمسيح، بيد أنّ معظم الباحثين يعتبرون هذه الإشارة حشوا متأخّرا (ناهيك عن النقد الحديث الذي يعتبر فلافيوس نفسه أحد مفبركات القرون الوسطى).

أمّا تيتوس فيُخبر في حولياته عام 117م أنّ القيصر نيرون اتّهم مسيحيين بحرق روما عام 64 م وهؤلاء ينتسبون للمدعوّ Christus الذي أعدم في عهد تيبريوس بأمر الحامي بيلاطوس.

كما أنّ سويتون يذكر عام 120م في سيرة القيصر كلاوديوس، أنّه قد طرد من روما يهودا اتّهموا بالتحريض على الشغب، وهم من أنصار شخص يُسمّى Chrestos .. وفي كلّ الأحوال لا توجد مصادر (غير كنسية) تؤكّد القصّة المسيحية..

1ـ اسم ” يسوع” كان هدية إلهية كما يصفه متّى 1:20 في حلم يوسف إذ يخبره الملاك: يا يوسف بن داوود، لا تخف إنّ مريم امرأة لك، فهي حبلى من الروح القدس، وستلد ابنا تسمّيه يسوع، لأنّه يُخلّص شعبه من خطاياهم(انتهى)، ولا أدري لماذا أسماه يسوع فنبوءة أشعيا 14:7تقول: ستلد العذراء ابنا يُدعى “عمانوئيل” أي الله معنا؟

وبالعودة للقاموس نستنتج أنّ اسم يشوع مركّب من جذر”يهوا” والفعل” شوع” (أن تكون نبيلا، أو تطلب عونا ) أو ” يَشع” (خلّص، ساعد)، وهكذا فإنّ تأويله يتطابق مع ما ورد في متّى: الله هو المخلّص. وأيضا لا يوجد شهود عيان لتأكيد حلم السيد يوسف. فلا بدّ من اعتباره لقبا أسقطه عليه السرد الروائيّ.

2ـ “ماريا ” Maira”: اللفظ اللاتينيّ لمريم، وتشترك العربية والآرامية واليونانية في تلفّظه بصيغة “مريم”، وهو اسم توراتيّ لأخت موسى وهارون، ومصدره غامض (البعض يعيده إلى جذر مصريّ Mry بمعنى: المحبوبة، والبعض إلى جذر عبريّ Mra بمعنى: سمّن علف (من تسمين العجول)، وكاجتهاد شخصيّ أعتقد أنّه يرتبط بالجذر الآرامي Mr وهو لقب للملك الآرامي بمعنى: سيّد، ولا تزال الكنائس الشرقية تطلق على القديسين لقب “مار” مثل مار مارون ومار تقلا.. وبهذا فإنّ الاسم على الأرجح، لقب تفخيميّ أسقطه المؤلّف بمعنى: سيّدة. (سنأتي لاحقا بمزيد من التفصيل)

3ـ في إنجيل متّى 10:1ومرقس 3:16ولوقا 6:12 نعلم بقائمة تضمّ أسماء تلامذة المسيح: أوّلهم سمعان(بطرس) وأخوه أندراوس (وكلاهما من صيادي الأسماك قرب بحيرة طبرية) ويعقوب ابن زبدي وأخوه يوحنّا، وفيليبس، وبرتولماوس، وتوما، ومتّى جابي الضرائب، ويعقوب بن حلفى، وتدّاوس، وسمعان الوطني الغيور، ويهوذا الإسخريوطي الذي أسلم يسوع.

ومع الاختلافات في تلك القائمة، إلا أنّ سرد الأناجيل يُحدث التباسا في عدد من الشخصيات، فتدّاوس مثلا يظهر أحيانا باسم “يهوذا” وهو غير يهوذا الإسخريوطي كما في إنجيل يوحنا 22: 14 وبما أن الالتباسات والتفاصيل كثيرة، وبعيدة عن صلب الموضوع، سأقتصر على العرض اللساني وما يتعلّق به:

ـ سمعان: أطلق عليه المسيح اسم “بطرس” والكلمة لاتينية وتعني: الصخرة؟؟ وتذكّر بمقولة المسيح: بطرس أنت الصخرة وعليها سأبني كنيستي. وهو ينتمي لمنطقة الجليل ،والسؤال البديهي: لماذا يختار يسوع، الآراميّ اللغة، لقبا يونانيا لتلميذه؟

ـ متّى: من الأصل العبريّ ماتيتياهو، ويعني: هديّة الله، ولا يُوجد ما يؤكّد أنّه كاتب إنجيل متّى.

ـ أندراوس أخ سمعان (بطرس): الاسم يونانيّ، وأيّ عين بصيرة سترى تناقضا ما، فكيف لعائلة يهودية ذات طقوس توراتية معقّدة، أن تطلق على أحد أبنائها اسما يونانيا وعلى الآخر اسما آراميا ـ عبريا؟ أم أنّ يهود ذلك العصر كانوا “مودرن”، ومقتنعين بالتعدّد الثقافي والأثني؟ أم أنّ الصورة التاريخية التي وصلتنا كانت مشوّهة ومستعصية على الفهم؟

ـ يعقوب ابن زبدي وأخوه يوحنا: لا يُوجد ما يؤكّد أنّ الأخير هو صاحب إنجيل يوحنّا المعروف

ـ فيليبوس، وبرتولماوس اسمان يونانيان بامتياز.

ـ توما: مشتق من اللفظ الآرامي “توأم”.

ـ يهوذا الإسخريوطي: اسمه الأوّل يعود لأحد الأسباط الإثني عشر، أمّا لقبه فيعود لقرية في اليهودية اسمها إسخريوط، وهو الوحيد الذي ينتمي لليهودية بعكس التلاميذ (الرسل) الآخرين الذين أتوا من الجليل.

. بولس: اسمه القديم “شاول” وقد استبدله، بُعيد اعتناقه المسيحية إثر حصول معجزة أصابته بالعمى، أثناء مطاردته للمسيحيين، قرب دمشق. وبولس: كلمة يونانية Paullos وتعني:الصغير.

ومن الضرورة بمكان التوقّف عند مرقس ولوقا، لأنّهما من كتبة الإنجيل.

ـمرقس: اسمه مشتق من اللاتينية Mart cosوتعني المنذور لمارس (إله الحرب الروماني) وهذا الاسم كان يُطلق على مواليد شهر مارس.

ـ لوقا : اسم لاتينيّ مشتقّ من Lucanus، ويطلق على القادمين من منطقة لوكانا في جنوب إيطاليا، ويقول الموروث أنّ لوقا ولد في أنطاكيا واعتنق المسيحية على يد بولس، وتوفّي في اليونان.

بعد هذا الموجز، وبالنظر للالتباسات الكثيرة في الأسماء ومرجعيتها اللغوية، إضافة إلى تداخل مريمات عديدة في الأحداث ؛(مريم الأمّ، والمجدلية، وأمّ يعقوب الصغير)، فقد استوقفني اسم التلميذ(الصحابي الكبير) يهوذا الإسخريوطي، باعتباره رمز الخيانة، فهو الذي سلّم المسيح للصلب، مقابل قبضه ثلاثين من الفضة، والغريب أنه الوحيد الذي يرجع بأصوله لمنطقة اليهودية، ناهيك عن اسمه اليهوديّ الخالص، أمّا المؤسسون والواعظون الكبار كبولس وبطرس فقد اتّخذوا ألقابا يونانية، كذلك هو الحال مع الإنجيليين مرقس ولوقا، الذين تدرّعا بأسماء لاتينية؟..

وهذا يوحي بأنّ التوليف الروائيّ للأناجيل تعمّد تجريم اليهود بل شيطنتهم، من خلال رمزية الأسماء التي خلعها على أبطال الرواية. ويبدو أنّ الأمر قد حدث أثناء اعتناق الدولة الرومانية للمسيحية، فكلّنا يتذكّر كيف أنّ الوالي بيلاطوس غسل يديه من دم الصديق (يسوع) وكأنه يُعلن براءة روما من دمه، في حين تُركت غوغاء اليهودية المدفوعة من الكهنة وسدنة الهيكل تصرخ: أصلبه أصلبه!!

وفي هذا السياق أنقل نقدا صارما مثلته آراء بالداوفBaldauf كامماير Kammeier الذيّن كانا على قناعة، بأنّ تأمّلا عميقا للأناجيل وأعمال الرسل يمنح انطباعا بأنها كُتبت من أناس لم يعرفوا فلسطين جيداً ولا اليهودية وطقوسها المعقّدة، ولم يُلمّوا باليونانية إلا كلغة أجنبية، مع جهل مطلق بالآرامية!!

الأسماء في التراث الإسلامي:

بداية لا بدّ من تأكيد أنّ الدراسات الإسلامية عموما، وقعت بين الفينة والفينة ضحية لدوائر تأويلية مغلقة، لعدم وجود علوم قاموسية تصلنا بالمرحلة السابقة لعربية سيبويه الكلاسيكية، وأحيانا ظهرت ميول مفرطة لدى بعض الباحثين باعتماد تأويلات تعتمد مرجعيات لسانية أخرى. إنّ تأخّر التدوين والخط العربيّين، لا يعني مطلقا حداثة اللغة العربية وأسبقية اللغات الكتابية الأخرى عليها، فالعربية كانت أداة مهمّة لتفسير لغات الأركيولوجيا، وعليه لا يمكن تجاهل أقدميتها.. إنّ المؤشرات العامّة تدلّ على أنّ قاموس (لغة سيبويه) قد ابتلع فيضا هائلا من مفردات اللغات القديمة، ووطّنها داخل لغة متطوّرة ذات طاقة حركية عالية.

الملاحظة الثانية تتعلّق بطبيعة السؤال عن الأسماء المؤسّسة للتراث الإسلاميّ، فكاتب السطور يعتقد بوجود ثقب زمنيّ يفصّل الأحداث المبكّرة للإسلام عن مرحلة التدوين، فكلّنا يعلم أنّ سيرة ابن هشام أو تاريخ الواقدي أو الصحاح الستة قد دوّنت بعد مرور مرحلة طويلة سادها النقل الشفهيّ. ممّا جعل تلك الأحداث عرضة للتساؤل التاريخيّ. خصوصا بوجود صمت للمصادر اليهودية والنسطورية واليعقوبية والقبطية والبيزنطية، التي أغمضت عيونها عن لحظات تشكّل الإسلام. وهذا أمر محيّر جدّا؟

وقد جرت محاولات عديدة لرصد التقاطعات اللغوية، عبر دراسات مقارنة، لكنّ مواجهة مباشرة مع القاموس العربيّ قد تبدو مفيدة، لتفسير أسماء الشخصيات المؤسسة، وعلاقتها الدلالية بظروف السرد الروائي وآليته..

قبل سنين قرأت “في مدارات صوفية” للراحل هادي العلوي، بأنّ لفظ محمّد مجرّد صفة، وأنّ اسمه الحقيقي “قثم”.. ملاحظة عابرة لا تحرّك عقيرة البحث، ثمّ تكرّرت الحالة أثناء مطالعتي للأسباني انطونيو غالا، الذي اعتقد أن اسم طارق بن زياد (فاتح الأندلس) هو حديث العهد في قائمة الأسماء العربية، ومن المستبعد أن يُكنّى به قائد بربريّ، إذ أنّ بعض الدراسات النقدية الحديثة تشكّك أصلا برواية فتح الأندلس، وتعتبرها حكاية أسطورية لماض ضبابيّ، لذا اقترح أن يكون “طارق ” تصحيفا لاسم قائد قوطيّ منشق: تاريكس، على وزن رودريكس (لذريق: آخر ملوك القوط).

هذه الافتراضات دفعت كاتب السطور لإلقاء نظرة على لسان العرب لابن منظور (ل.ع) والقاموس المحيط للفيروزآبادي(ق.م)، ومقاييس اللغة لأحمد بن فارس (م. ل)، وهو معجم يضمّ بين محتوياته كتاب العين للفراهيدي، وهو أقدم محاولة قاموسية عربية. وفيما يلي خارطة لبعض الأسماء الإسلامية المؤسسة:

1ـ محمّد: مشتق من “الحمد”: الشكر، الرضى والجزاء وقضاء الحقّ (ق. م) والحمد عكس المذمّة (ل.ع) ويرد أيضا أنّ: محمّد وأَحمد: من أَسماء المصطفى، والمحمّد الذي كثرت خصاله المحمودة؛ قال الأَعشى:

إِليك، أَبيتَ اللعنَ، كان كَلالُها ــــــــــــــــ إِلى الماجد القَرْم الجَواد المحمد

قال ابن بري: ومن سُمّي في الجاهلية بمحمد سبعة(أشخاص) (4)

أمّا فولكر بوب (5) فينقل أنّ أرشيف أوغاريت تضمّن أشعارا طقوسية وميثولوجية كنعانية، تحتوي مصطلح “مهمد” الذي ارتبط استخدامه بالذهب ويعني: الأفضل، في إشارة إلى نقاء الذهب. وقد احتفظ اللفظ الأوغاريتي “محمّد” على محتواه الدلاليّ بمعنى: المنتخب، المختار حتى بداية الإسلام.

2ـ قثم: اسم محمد كما ذكره المرحوم هادي العلوي، وفي اللسان نقرأ ما يلي:

وقُثَم اسم رجل مشتقّ منه، وهو معدول عن قاثِم وهو المُعطي. ويقال للرجل إذا كان كثير العَطاء. وفي حديث المبعث: أَنت قُثَم، أَنت المُقفَّى، أَنت الحاشر؛ وهذه أَسماء النبيّ. وكذلك يرد في الصحاح في اللغة: يقال للرجل إذا كان كثير العطاء: مائحٌ قُثَمٌ. وفي كلّ الحالات نحن أمام ألقاب أو صفات معنويّة تُعلي من شأن حاملها.

3ـ خديجة: الخديج هو المولود قبل أوانه، ففي القاموس خَدَجَت الناقةُ أَلقت ولدها قبل أَوانه لغير تمام الأَيام، وإِن كان تامَّ الخَلْق (ل.ع).

4ـ سودة بنت زمعة: السواد نقيض البياض، أما الزمعة فترد كما يلي ُ الهَنَةُ الزائدةُ الناتئةُ فوق ظِلف الشاة (ل.ع) الزَّمَع: وهي التي تكون خَلف أظلاف الشّاء. وشبّه بذلك رُذَال الناس (م.ل).

ويخبرنا الموروث أنّ محمد تزوّجها بعد خديجة وكانت امرأة كبيرة وواعية وجاوزت صباها وخلت ملامحها من الجمال، وبعد زواجه من عائشة انقبضت لكنّها رفضت التسريح وآثرت البقاء. (روي عنها خمسة أحاديث)، والخلاصة أنها منحت اسما كئيبا، إضافة لاسم والدها الذي بدا مرذولا !! وكأنّ الموروث حرمها من الفتوّة والجمال، وربط ذلك باسمها؟ ليبقيها زوجة ثانوية (كومبارس) ؟

5ـ عائشة بنت أبي بكر: وهي أشهر زوجات محمد، نُسب إليها رواية الحديث والفقه، ومصدر إسمها من “العيش” ويقال: عَيْش بني فلان اللبَنُ إِذا كانوا يَعِيشون به، وربما سمَّوا الخبز عَيْشاً. والعائش ذو الحالة الحسَنة، وعائشة اسمُ امرأَة(ل.ع).

وربما يكون الأهمّ ذكر المصدر العبري للفظ” إيشه” فهو اسم حواء (الأم الميثولوجية للبشر)، وعلى العموم فالاسم يتضمّن دلالات إيجابية، وأمومة للإسلام المبكّر، يناسب ما أناط بها الموروث من مهمّات تاريخية كبيرة.

وفي نفس السياق فإنّ لفظ “بكر” يرد بمعنى فتيّ: البكر من الإبل، ما لم يَبْزُل بعد(م.ل)، وفي الحديث: استسلفَ رسولُ الله، من رجل بكرا: وهو الفَتيُّ من الإِبل بمنزلة الغلام من الناس (ل.ع)، وبهذا يُمنح أبو بكر اسما محايدا كما الحال مع خديجة.

6ـ حفصة بنت عمر: إحدى زوجات محمد، والحفص يرد في القواميس : حَفَصَ الشيءَ جَمَعَه. وحَفَص الشيءَ: أَلْقاه، والحَفْصُ زَبيلٌ من جُلودٍ، وقيل: هو زَبِيل صغير من أَدَم (ل.ع) ويقال للزَّبِيل من جُلود حَفْص. (م.ل) وبلمحة بسيطة، يستذكر القارئ القصة الشهيرة أثناء جمع القرآن أيام عثمان، وما روي عن نسخة القرآن التي كتبها عمر على رقّ، وأودعها بيت حفصة (6)، وهذا التماهي بين دلالة اسم حفصة، وقصّة الجمع، إشارة مبهرة، لآلية السرد الروائيّ.

وهنا تجدر الإشارة إلى أنّ اسم عمر، لم ينل حظّا من التحليل المعجميّ (مع أنّ الباحث أحمد داوود يربطه بالجذر “مَر” بمعنى سيّد، ولقبه الفاروق يذكر باللفظ الآرامي فاروقا: المخلص)، وفي كل الأحوال فإنّ اسمه يشير إلى مكانته المهمّة في التاريخ الإسلامي.

7ـ زينب بنت جحش: إحدى زوجات محمّد، عرفت بجمالها، وقصة تطليقها من “زيد” هي أهمّ ما يرد عنها في الموروث. أمّا القواميس فتخبرنا : والزَّنَب: السِّمن. الزَّيْنب شجر حسن الـمنظَر، طيِّب الرائحة، وبه سمّيت المرأَة (ل.ع)، والأَرنب: السَّمين، وبه سُمّيت المَرْأةُ زيْنَبَ، أو من زُنابى العَقرب لزُباناها، أو من الزَّيْنب، لشجر حسنِ المنْظَرِ طَيِّب الرّائحة، أو أصلها: زَيْنُ أب(م.ل) .

8ـ صفيّة بنت حيي: إحدى زوجات محمد، وهي سبيّة من بني النضير، يخبرنا الموروث بأنّ محمّدا اصطفاها حين ألقى عليها عباءته، وفي باب “صفو” في مقاييس اللغة نجد: والصَّفِيُّ ما اصطفاه الإمام من المَغْنم لنفسه، وقد يسمَّى بالهاء الصَّفِيَّة، والجمع الصَّفَايا. قال: لك المِرْبَاعُ منها والصَّفايا وحُكمُكَ والنَّشيطةُ والفُضُولُ، والصفو نقيض الكدر، وصفوة كُلِّ شيء: خالصه من صفوة المال (ل.ع).

9ـ عليّ: من العلوّ، وبإضافة أل التعريف يصبح من أسماء الله، وقد منحه الموروث مقاما يليق باسمه.

10ـ عثمان: وهو الخليفة الثالث، تنسب لعصره نشوب الفتنة ومصرعه وبداية الانشقاق بين المسلمين، واسمه “عثم” يرد بمعنى: إساءة جبر العظام، ففي اللسان: وعَثَمَ العظمُ المكسورُ إذا انجَبر على غير استواء(ل.ع)، وفي هذا السياق نتذكّر لفظ “نعثلة” ، إذ كان أَعداءُ عثمان يسمّونه نَعْثَلاً، وفي حديث عائشة: اقْتلوا نعثلاً قَتل اللهُ نعثلاً تعني عثمان والنّعثلُ: هو الشيخُ الأَحمقُ. (ل.ع).

11ـ أبو سفيان: يقول لسان العرب: السَّفَا: الخِفَّةُ في كلّ شيء، وهو الجَهل. سَفا إذا ضَعُفَ عَقْلُه، وسَفا إذا خَفَّ رُوحُه، وسَفا إذا تعبَّد وتواضع لله، وأَسْفى إذا صارَ سَفيّاً أَي سفيهاً، وسَفاءُ وسِفيان وسَفيان وسُفيان: اسمُ رجل، يُكْسر ويفتح ويضمّ.

12ـ معاوية: من العويّ، وفي نفس الباب نجد: والمُعاويَة الكَلْبَة المُستَحرِمَةُ تَعوي إِلى الكلاب إِذا صَرَفَتْ ويَعْوينَ، وقد تَعاوَت الكلابُ (ل.ع)، وببساطة فإنّ معاوية بن أبي سفيان، قد تلقّى طعنة نجلاء من الموروث جعلته، كلبا عاويا وابن سفيه، ولا حول ولا قوة.

13ـ ماريا القبطية: إحدى زوجات أو سراري محمد. ونظرا لما يحمله الإسم من تقاطعات لسانية وثقافية، أجد من المفيد أن نتوقّف عنده مليا، وكما أسلفت أعلاه فإنّ Maria هي الصيغة اللاتينية، التي ترد في العربية والعبرية والآرامية واليونانية بصيغة “مريم”، وقد اكتسب الإسم قداسة عالية في الإسلام، وأفردت له إحدى سور القرآن..وهناك اجتهادات عديدة لتأويل هذا الإسم (كما أسلفنا).

لكنّ الملفت والمثير للدهشة، أنّ المسيحية بدأت باستخدام إسم “ماريا” في القرن السادس عشر م.، حينها بُدئ بإطلاقه، على أسماء الإناث، وعلى النذور المقدّسة والكنائس.

والسؤال الموضوعي: لماذا استخدمه الأقباط بالصيغة اللاتينية، عند تسمية الإناث، وقبل أوروبا بعشرة قرون؟؟ (على افتراض أنّ ماريا القبطية كانت هديّة من المقوقس)، ولماذا لم تستخدمه بصيغته المعتادة في المشرق “مريم”؟

في الحقيقة لا أملك صورة عن كيفية وروده في المخطوطات القديمة، لكن أستغرب تداوله بصيغة “ماريا”؟ والأمر الملفت عدم تواتر الإسم في الفترة المبكّرة، واستبعاده من أسماء الرعيل الأوّل (7) رغم ما تمتّعت به مريم من قدسية. وأعتقد أنّ البحث في هذه الإشكالية يكشف بسهولة أنماطا من الحشو المتأخّر، الذي تعرّضت له الرواية أثناء رحلة التأليف.

ومن خلال هذه اللمحة السريعة، لخارطة الأسماء والأعلام، يمكن للنقد والعين البصيرة أن تخمّن كيف نُسجت الأحداث الدينية المبكرة، وكيف غُزلت خيوطها، وكيف خلعت على أبطالها مسمّيات وألقابا وصفات، تناسب أدوارهم المُتخيّلة.

Share this:

Comments

Author : admin

admin

جميع المقالات والمواد الواردة في هذا الموقع محمية حقوق النشر والطبع لذلك يمنع نسخها او استخدامها الا بعد ذكر مصدرها ونسبها للموقع

RELATED POSTS

Comments are closed.