السلم الإسرائيلي: خطره وكيفية مواجهته

img

  

بقلم الدكتور الأمين إدمون ملحم 

 

نحن في الحزب السوري القومي الإجتماعي نعتبر ان ما يسمى “بالسلم الإسرائيلي” هو ليس إلا خطة مرحلية لعدونا الصهيوني الغاية منها هي تحقيق الهدف الأساسي الذي من أجله وجدت الحركة الصهيونية العالمية والذي يتلخص بالفكرة التي ترمي إلى ان توجد من يهود العالم المختلفي النزعات والمشارب والمتبايني الأخلاق والعادات أمة إسرائيلية تمتد حدودها من الفرات إلى النيل وتعرف بدولة “إسرائي الكبرى”. 

ان اعتبارنا لما يسمى “بالسلم الإسرائيلي” خطة مرحلية من ضمن المخطط الصهيوني العام نابع: 

أولاً، من وعينا وإدراكنا لطبيعة الحركة الصهيونية وما تعتمده هذه الحركة من أفكار وتعاليم وإدعاءات تُشكِّلُ بمجملها خطراً كبيراً على مجتمعنا ووجوده وعلى كل ما يخصنا في الحياة من مصالح وحقوق وثروات. 

ثانياً، من إدراكنا لخطط الصهيونية وإجراءاتها وأساليبها. فالحركة الصهيونية منذ نشوئها حتى الآن اعتمدت وسائل وأساليب مختلفة وسخَّرت إمكانيات اليهود وغير اليهود الفكرية والمالية والسياسية والعسكرية وغيرها واستطاعت ان تؤثر على قرارات الحكومات لا بل شاركت في صنعها وذلك بعد ان تغلغلت في الدوائر الحكومية والمنظمات العالمية والمؤسسات السياسية والإجتماعية والدينية فوزّعت الأدوار وغيّرت من استراتيجياتها وأهدافها المرحلية حسب ما تمليه الظروف الموضوعية وكل ذلك من أجل تثبيت دعائم الدولة الصهيونية وتوسيع رقعتها بإستمرار إلى ان يحين الوقت فيتسنى لهذه الدولة ان تلعب الدور المرسوم لها في العقيدة التوراتية وهو قيادة أمم العالم وشعوبها واستعبادها. 

إن ما نقوله عن الصهيونية وعن دورها في زرع “الكيان الإسرائيلي” في وطننا ليس سراً. فمكتبات العالم مكّدسةٌ بالكتب والدراسات التي تتحدث عن طبيعة هذه الحركة العنصرية الإستعمارية وعن نشأتها وأطوارها كما تتحدث عن مؤامراتها ومؤتمراتها وعن سيطرتها الإعلامية وأساليبها في المكر والخداع ورفضها لكل ما يصدر عن الأمم المتحدة من قرارات وتوصيات بشأن المسألة الفلسطينية. 

إذاً، نحن نحكم على “السلم الإسرائيلي” إنطلاقاً من إدراكنا لحقيقة الأهداف البعيدة للحركة الصهيونية ولما تعتمده هذه الحركة من أساليب وإجراءات بهدف الوصول إلى غايتها. 

 

تحديد عدونا القومي 

 

وهنا لا بد لي من توضيح مسألة مبدئية تتناول تحديدنا لعدونا القومي الطامع في الإستيلاء على كامل أرضنا السورية وتهويدها. 

نحن القوميين الإجتماعيين عندما نتحدث عن عدونا الصهيوني لا نميّز بين دولة هذا العدو “إسرائيل” وبين الصهيونية او اليهودية. فهذه الأشكال الثلاثة تعني لنا شيئاً واحداً لأنها تلتقي على أساس واحد وتنهل من نفس المنبع ومن ذات التعاليم مهما حاول المنظِّرون وضع فوارق بينها ومهما حاول آخرون الفصل بين يهود يساريين ويهود رجعيين، بين يهود يدعون إلى السلام ويهود يدعون إلى الحرب، وبين يهود يوالون أميركانية ودول الغرب ويهود يعتنقون مبادىء الإشتراكية او الشيوعية. 

كلنا نعلم ان خلف دولة العدو “إسرائيل” تقف الحركة الصهيونية العالمية وان لهذه الحركة أساساً فكرياً ايديولوجياً ترتكز عليه وتستوحي منه إدعاءاتها الباطلة. هذا الأساس الفكري يشمل العقيدة التوراتية والتعاليم التلمودية والتراث اليهودي التاريخي العنصري المغلق. ويؤّكد كثيرون من الكتّاب والباحثين الذين اهتموا بدراسة الحركة الصهيونية أنه بدون فهم التراث اليهودي وبدون فهم العقلية اليهودية المغلقة، والعنصرية اليهودية التاريخية، لا يمكننا إطلاقاً ان نفهم الصهيونية وأهدافها. هذه الحقيقة يُلخِّصها احد المتخصصين بدراسة الصهيونية وهو الدكتور جورجي كنعان بقوله: “خلف إسرائيل تقبع الصهيونية وخلف الصهيونية تقوم اليهودية”. 

 

أهمية السلام “لإسرائيل” وأخطاره على أمتنا 

 

نحن نعتبر ان حالة السلام مع العدو هي أخطر بكثير علينا من حالة الحرب. فالسلام سيحقق لعدونا أهدافاً كبيرةً لم يتمكن من تحقيقها في حالة الحرب. 

إن أول وأهم هدف سيحققه العدو هو الحصول على صك إعترافنا بإغتصابه لأرض فلسطين وإعطاء دولته المصطنعة الطابع الشرعي والحق التاريخي في هذا الجزء الجنوبي من وطننا. هذا الهدف لم يتمكن العدو من تحقيقه في الماضي بالرغم من كل الحروب التي وقعت بيننا وبينه وبالرغم من كل الإنتصارات التي حققها على حساب أرضنا وشعبنا. 

إن إعترافنا بدولة الإغتصاب سيضيع كل نضالات شعبنا وشهدائنا وجرحانا ومعتقلينا وسيشّوه تاريخنا الحديث المسطّرة سجلاته بدماء أطفال الإنتفاضة وأبطال المقاومة الوطنية في الجنوب اللبناني، وكأننا نقول لهؤلاء الشهداء والمعتقلين بأنهم كانوا ظالمين في تصديهم لسلطات الإغتصاب وعلينا الآن ان نتقدم بالإعتذار على كل هذه النضالات والوقفات الطويلة من المواجهة ضد العدو الصهيوني. 

والهدف الثالث الذي سيحققه العدو بحجة السلام هو إعطاء دولته المصطنعة شرعية “دولية” وشهادة براءة عن جرائمها وممارساتها العنصرية تجاه شعبنا والتي كان أحدثها الجريمة البشعة التي ارتكبت في الحرم الإبراهيمي والتي أدت إلى إستشهاد عدد كبير من المؤمنين من أبناء شعبنا الفلسطيني. 

فبفضل أجواء السلام التي تسود منطقة الشرق الأوسط تتسابق دول عديدة اليوم للإعتراف بالكيان الإغتصابي وقيام علاقات وإتفاقات تجارية معه وبذلك يكون مشروع السلام قد أسهم في فك العزلة الدولية الخانقة التي ظلت مفروضة على الكيان الصهيوني طوال سنوات صراعنا معه. 

إن أجواء السلام ستؤدي إلى إلغاء القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة في الماضي والتي تدين السياسة العدوانية للكيان الصهيوني وتفضح ممارساته العنصرية وجرائمه التي يمارسها على شعبنا في فلسطين المغتصبة وفي الجنوب اللبناني. في الماضي كانت دول عديدة تعمد إلى إثارة موضوع مصداقية الكيان الصهيوني كعضو في الأمم المتحدة وتطالب بطرده ومعاقبته وإدانة ممارساته العنصرية والقمعية… هذه المحاولات ستتوقف في ظل إتفاقيات السلام وعلى ضؤ الواقع الجديد، وما اتخذته الأمم المتحدة من قرارات في الماضي مناوئة “لإسرائيل” ستتحول إلى قرارات قديمة باطلة المفعول. 

في حالة الحرب كانت دولة العدو محاطة بعداء محيطها الطبيعي وبحواجز لا تخترق من المواقف القومية الصلبة وكانت تعاني من مشاكل داخلية عديدة أهمها: 

أولاً، مشكلة نزوح اليهود المتزايد خارج دولة “إسرائيل”. 

ثانياً، مشكلة العجز المالي الكبير نتيجة ما تخصصه الحكومة للموازنة العسكرية. 

ثالثاً، مشكلة إقتصاد المجتمع الصهيوني الذي يعتمد على المساعدات الخارجية التي تقدم له على شكل هبات وقروض أو من خلال ما توفره له نشاطات الجباية اليهودية التي تتولى  جمع التبرعات من يهود العالم. 

اما في حالة السلم، فستخترق “إسرائيل” بواسطة الإقتصاد والتكنولوجيا والتبادل التجاري والثقافي والمعاهدات ما كان ممنوعاً عليها وستصل إلى أسواق العالم العربي كلها وهكذا تؤمن لمؤسساتها وبضائعها وسياحتها وطائراتها وشركاتها الوصول إلى قلب كل عاصمة وكل مدينة وكل مطار… وبالنتيجة فإن ما عجزت “إسرائيل” ان تحققه بقوة السلاح ستحققه بالأساليب السياسية. 

سينتعش الإقتصاد “الإسرائيلي” وستتحول الدولة اليهودية من دولة صغيرة رغم ما تمتلكه من قوة في السلاح إلى دولة كبيرة مهيمنة على المنطقة سياسياً وإقتصادياً وعسكرياً، ليس بطابع الإحتلال طالما ستعترف دول العالم العربي بوجودها، إنما بطابع الغزو الثقافي والإقتصادي والهيمنة السياسية والإدعاء في تطوير المنطقة إقتصادياً وتحويلها إلى واحة إزدهار ورخاء. وقد بدأت الصحف تحمل لنا أخباراً عن نظام “شرق أوسطي” أو ما يسمى “بالسوق الشرق أوسطية” التي سيكون للكيان الصهيوني فيها دور محوري بحيث يكون هذا الكيان القوة الوحيدة القادرة على رسم صورة مستقبل المنطقة. وفي هذا الصدد يتحدث شيمون بيرز عن “السوق الشرق أوسطية” التي تقوم على تكامل عدة عناصر هي: النفط العربي والمياه التركية والكثافة السكانية المصرية والخبرة أو المهارة الصهيونية. 

وبكلام آخر، ان منطقة العالم العربي في رأي الصهاينة هي مجرد خامات ومواد طبيعية ومستهلكين اما العقل المفكر والمبدع والمدّبر والمهيمن فهو صهيوني بالضرورة. 

على الصعيد العسكري – الأمني فان مشروع السلام سيحقق لدولة العدو وبدعم من الولايات المتحدة الأميركانية الأمور التالية:  

  • نزع أسلحة دول المنطقة عبر ما يسمى بالحد من الأسلحة الإستراتيجية والتقليدية في منطقة الشرق الأوسط. 

  • ضمان التفوق العسكري للكيان الصهيوني وجعله قوة عظمى في المنطقة تمتد تأثيراتها لتصل إلى جنوب شرق آسيا 

  • ضمان أمن الكيان الصهيوني من مختلف النواحي. وفي هذا المجال ستوقع دول المنطقة معاهدات أمنية مع دولة العدو تتعهد فيها باتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمكافحة ما يسمى بالتطرف والإرهاب وضرب كل المنظمات والمجموعات التي ستحاول تهديد أمن الكيان الإسرائيلي. وهنا يمكننا التذكير بإتفاق غزة – أريحا. هذا الإتفاق يهدف إلى تصفية الإنتفاضة وإلى ضرب المناضلين ومطاردتهم بواسطة ما يسمى بالشرطة الفلسطينية التي ستؤدي الدور الذي فشلت فيه قوات الإغتصاب الصهيوني من ناحية قمع شعبنا. وهكذا فان المطلوب من الدويلة الفلسطينية ومن كل دولة سورية تعقد صلحاً مع “إسرائيل” ان تكون اداة لضمان أمن “إسرائيل” ولضرب الثوار الذين يهددون هذا الأمر. 

    إن مخاطر “السلم الإسرائيلي” على شعبنا ووطننا لا تنحصر في المجالات السياسية والإقتصادية فقط بل هي تطال كل مجالات حياتنا القومية، السياسية منها والإجتماعية والنفسية والثقافية والتربوية وغير ذلك لأن الإستسلام الذي يريده إستسلاماً شاملاً وكاملاً نتنازل فيه عن إرادتنا في القتال وعن حقوقنا وهويتنا القومية ونتنكّر لتاريخنا وتراثنا وحضارتنا لنقبل بشروط العدو وقيوده. 

 

غزو ثقافي من الطراز الأول 

 

“السلم الإسرائيلي” يعني أيضاً غزواً ثقافياً وروحياً مثلما يعني غزواً للأرض وللإقتصاد. إنه بمثابة ثوب جديد يرتديه العدو ويبدو فيه حملاً وديعاً يريد إنهاء حالة العداء التاريخي والحضاري مع شعبنا. هذا الثوب الجديد يختلف في الزي وفي الشكل عن ثوبه العسكري المعروف ولكنه في الحقيقة ليس إلا ثوب ذئب يستعد لغرز أنيابه في جسد شعبنا للنيل منه ولإنهاء وجوده على أرضه. 

أن الغزو الثقافي لا يختلف في الجوهر عن الغزو العسكري بل هو أخطر منه بكثير لأنه كما قال الدكتور أنيس صايغ في ندوة ثقافية عقدت مؤخراً في لبنان: “أقل تكلفة مادية وبشرية للعدو، وأكبر مغنماً، وأبقى أثراً، وأوسع نطاقاً، وأقدر على نوال موافقة العالم ورضاه. بل إنه تلبية لمطلب عالمي ينادي به لمصلحة “إسرائيل” وإنسجاماً مع نظام عالمي جديد يجعل من وجود “إسرائيل” وبقائها وتسلطها شرطاً أساسياً لتعامله مع الدول العربية. 

في المجال التربوي، فقد طُلب إلى الحكومات التي تستعد لعقد الصلح مع دولة العدو ان تسارع إلى حذف وإلغاء كل كلمة من مناهج التعليم في المدارس والجامعات التي تتحدث عن العدو الصهيوني. 

وفي المجال الروحي، فقد طلب إلى هذه الحكومات ان تسارع إلى إتخاذ الإجراءات الملائمة لمنع آئمة المساجد ودور العبادة من تلاوة الآيات القرانية الكريمة التي تشير إلى “بني إسرائيل” من الناحية العدائية. 

ما تريده “إسرائيل” ليس سلماً مع الأنظمة التي تحيط بها وحكوماتها وجيوشها فقط إنما بالإضافة إلى ذلك فهي تطلب، كما يقول رئيس الحزب السوري القومي الإجتماعي الأمين يوسف الأشقر، تسليماً بها في قلب مجتمعنا، تسليماً بها في المدرسة وفي كتابنا المدرسي ومناهجنا التعليمية على جميع المستويات، حتى إذا همس تلميذ أو طالب أو مدرّس وحتى إذا أشار نص صغير إلى “العدو الإسرائيلي” اعتبرت إسرائيل ذلك خرقاً لروح السلم المعقود ولنص التعاقد القائم. 

وتريد تسليماً بها في حياتنا السياسية فَيُطَّوق كل حزب سياسي وكل دعوة سياسية في مبادئها أو في مسلكها ما يدعو إلى تحرير الأرض أو إلى التصدي للغزو الإقتصادي – الثقافي – الروحي.. وتريد تسليماً بها في المجالات الإقتصادية والمالية والثقافية فنياً وعلمياً وفكرياً، وتريد التسليم بمنطقها ومشروعها ونظريتها في “التكامل” في الكفايات البشرية والمستوى الإنمائي والثروات الطبيعية والموقع الإستراتيجي والسياحي والخطوط التجارية. 

بإختصار إنها تريد تسليماً بها لا سلماً معها، وتسليماً لها بحرية الحركة في قلب مجتمعنا، لتعبر منه إلى العالم العربي كله. 

“إسرائيل” تدعي انها تريد السلام مع جيرانها، وقد سرّح رابين بأن يده ممدودة للسلام ولكن يده الأخرى على الزناد. وما يعنيه رابين أنه في الوقت المناسب تتحول اليد الممدودة للسلام إلى الاخرى التي على الزناد. وإذا أردنا التحقق من ذلك فما علينا إلا ان ندرس أهداف الصهيونية وان نتعرف على إدعاءاتها الباطلة وتعاليمها الهمجية التي لا تعرف معنى السلام بل تتصف بالتلون والخداع وتحمل الحقد والبغض لبقية الشعوب. وعلينا أيضاً ان نتعرف على سجل القباحات وعلى التراث التاريخي لعدونا العريق في المكر والدهاء وفي نقضه للعهود والمواثيق وغدره بمن عقد معهم العهد. 

إن دولة العدو لم تغير شيئاً في مبادئها وأهدافها الأساسية ولا أحد من القوى السياسية فيها يملك القدرة على التغيير في هذه المبادىء والأهداف أو التراجع عنها وذلك لأنها تنبثق من العقيدة الصهيونية وتعتبر من الثوابت التي لا تتغير. 

إن الذي تغّير في مواقف دولة العدو هو خططها وإستراتجيتها وهذه تتبدل من وقت لآخر وذلك لكي تتحقق الأهداف الأساسية وتصبح أسهل منالاً. 

نعم ان دولة العدو تتظاهر بالتراجع عن استهدافاتها الأساسية ولكنه تراجع شكلي يجب ألا يخدعنا لأن هذه الدولة غير مستعدة للتنازل عن أية بقعة أرض اغتصبتها ولن تتوالى عن العودة إلى سياسة العدوان والتوسع وإلى طرد شعبنا من أرضه. إن ما تحاول ان تحققه دولة العدو الآن هو إزالة الحدود بين الأراضي التي تحتلها والأراضي التي لا تخضع لسيطرتها وذلك تمهيداً لتحويل هذه الأراضي الغير محتلة في المرحلة الحالية إلى أرض مغتصبة في المستقبل تحقيقاً لحلمها الكبير “أرضك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل”. 

 

حالة أمتنا الرديئة 

 

إن ما يزيد في مخاطر “السلم الإسرائيلي” على أمتنا هو وضعها الراهن الذي لا يؤهلها على تحمل نتائج السلم وعلى المحافظة في الوقت نفسه على وجودها. 

إن أمتنا الآن في حالة رديئة جداً من التفكك والتمزق والضعف. إنها تعاني من الحساسيات الكيانية والنزاعات الداخلية والفوضى الفكرية والسياسية والإجتماعية وتتخبط في قضايا متضاربة، قضايا الأغراض الفئوية الضيقة والمصالح الخصوصية والنفعية في الحكم والسياسة والبعيدة كل البعد عن قضية حياتنا الأساسية والتي تعني في الوقت الحاضر وجودنا ووحدة مصيرنا المهددان من قبل الدولة العدوانية الإستيطانية. 

إذا كانت سورية بحالتها الحاضرة، ومعها العالم العربي، غير قادرة على خوض معركة عسكرية مع العدو الصهيوني وحسم هذه المعركة لمصلحتها، فإنها بالتأكيد ستكون أقل قدرة على تحمل “السلم الإسرائيلي” ومخاطره. لذا، نحن نقول إن الإسراع بتسريب “السلم الإسرائيلي” إلى مجتمعنا وفرضه على أمتنا وهي على أحوالها الراهنة الشاذة سيمكّن عدونا من تسديد ضربة تاريخية شنيعة لأمتنا تحولها من أمة عندها الإمكانية لتصبح قوة كبيرة لها دورها الحضاري والبّناء في العالم العربي، والعالم كله، إلى منطقة إحتلال ونفوذ إسرائيلين تستخدمها “إسرائيل” مسرحاً لأعمالها ونشاطاتها وجسراً تعبر عليه إلى العالم العربي لإستنزاف ثرواته ولإخضاعه لهيمنتها الإقتصادية والسياسية ولجعله يدور في فلك ترسانتها العسكرية وتفوقها العلمي والتكنولوجي متنازلاً لها عن طموحاتها الإنمائية والوحدوية ومسلماً لها بنظرتها للإنسان والتاريخ ومراتب الجنس البشري وبمفاهيمها للحقوق والحريات والتعاون بين الأمم. 

فإذا افسحنا لدولة العدو ان تدخل بسلمها المشبوه إلى حياتنا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والزوجية فإنها ستغتنم هذه الفرصة لإجهاض النهوض الإجتماعي والإقتصادي في أمتنا ولإشعال نار الإقتتال والحروب الأهلية في مجتمعنا. إن سلمها سيعطل وبصورة نهائية قيام أية وحدة حقيقية بين كيانات أمتنا لأن تحقيق الوحدة هو الشرط الأولي للتصدي لها ولمؤمراتها. 

من هنا نحن نقول بأننا سنكون في وضعية افضل بكثير فيما لو ابتعدنا عن طريق التنازلات والتسليم بمجتمعنا بجميع قطاعاته للهيمنة الإسرائيلية تحقيقاً لمكاسب إقتصادية ووعود كاذبة، وفيما لو سلكنا طريق الحرب الإستنزافية ضد دولة العدو الصهيوني. إن طاقتنا على الثبات في الحرب، مع ما تولده الحرب من تلاحم بين كيانات الأمة وأبنائها، فضلاً عن دورنا ومكانتنا في العالم العربي، ووعينا لما يطرأ من تبدل وتحولات في ميزان القوى الدولية وعلاقاتها، كلها شؤون تحتم علينا عدم التفريط بالقضية القومية وبالحقوق الطبيعية والتاريخية وتستوجب منا عدم الإستسلام والتنازل عن حقوقنا بل المحافظة على قضيتنا في وجداننا إلى حين ان تتبدل موازين القوى فنعمل عندئذ على استرداد حقوقنا وتحرير أرضنا المغتصبة. 

 

الثوابت القومية والمبدئية 

 

نحن نتمسك بالثوابت القومية والمبدئية مهما كانت الضغوطات علينا في المرحلة الراهنة. ومن الثوابت المبدئية التي تؤمن بها: 

أولاً، ان الأمة السورية هي وحدها صاحبة الحق الطبيعي والشرعي في فلسطين ولا توجد لليهود حقوق عامة أو خاصة في هذا الجزء الجنوبي من وطننا. 

ثانياً، لا يملك أي جيل من أجيال أمتنا أو أية هيئة شعبية أو حكومية حق التنازل عن أي جزء من أرضنا القومية سواء كان هذا الجزء في الجنوب أم في الشمال لأن الأرض القومية هي لكل الأمة بتعاقب أجيالها. 

هذا التنازل، إذا ما حصل نتيجة الوعود والضغوطات الدولية فهو لا يربطنا نحن القوميين الإجتماعيين ولا يُقّيدُ إرادة الأمة ولا إرادة أجيالها المستقبلية، ولا بد ان يأتي يوم تنتفض فيه على الأمر الواقع وتعمل على التخلص منه ومن قيوده. 

ثالثاً، إن كل مقرارات انترنسيونية تخالف إرادة الأمة السورية وحقها في تقرير مصيرها ومصير وطنها بملء حريتها هي قرارات باطلة. 

 

كيفية مواجهة السلم الإسرائيلي 

 

لكي نواجه الخطة المرحلية لعدونا الصهيوني عاينا: 

أولاً، أن نتفهم طبيعة وأهداف حربنا مع هذا العدو. وحربنا معه نحن نفهمها بأنها حرب مصيرية تتناول وجودنا كمجتمع قومي له شخصيته المميزة وحضارته العريقة وتراثه المناقبي والغني بالمكتنزات الروحية والثقافية والإبداعية. 

إنها حرب تتناول وجود مجتمعنا القومي بكل أبنائه وشرائحه الإجتماعية لذلك فإن مواجهة هذا العدو هي مسؤولية مجتمعية شاملة يجب ان لا تقتصر على أطفال الإنتفاضة في فلسطين المغتصبة وعلى الذين يحملون السلاح في الجنوب اللبناني بل يجب ان تشمل كل مواطن في المجتمع، الطالب والطبيب والمهندس والمحامي والعامل والفلاح والجندي… كل هؤلاء بنفس السوية في المسؤولية والواجب والفعالية. 

ثانياً، ان ندرك طبيعة مواجهتنا للعدو وان نعي مهماتنا وأدوارنا في اطار معركتنا الحالية وفي المواجهات القادمة. ومن أولى مهماتنا هي تحصين مجتمعنا وتأهيله لكي يتمكن من التصدي والمواجهة لكل التحديات الحضارية والإنسانية. 

 

كيف نحصن مجتمعنا ونؤهله؟ 

 

نُحصّن مجتمعنا، أولاً، بتنمية روح الرفض في شعبنا لمفاهيم “السلم الإسرائيلي” وبتسليحه بالمعرفة الضرورية لكي يتصدى لهذه المفاهيم ولكل صيغ السلم المطروحة والتي تهدف بالتحليل الأخير إلى تهويد المجتمع والإنسان. 

ونحصِّنَهُ، ثانياً، بتقوية روح النضال القومي والمقاومة البطولية في شعبنا الذي يتمتع بإرادة عظيمة في الحياة وتكمن فيه قوة لو فعلت، كما يقول سعاده العظيم، لغيّرت وجه التاريخ. 

ونحصِّنَهُ، ثالثاً، بتعزيز روح الصمود في شعبنا والتمسّك بكل شبر من أرضنا القومية وعدم التنازل عنها مهما اشتدت الضغوطات علينا. 

نُحصِّنُ مجتمعنا بإزالة الولاءات والعصبيات الجزئية والتصادمية من عائلية وعشائرية ومذهبية وطبقية وعرقية واستبدالها بعصبية وطنية جامعة توحِّدنا وتتجهُ بنا في اتجاه الوطن الواحد بكل أجزائه وربوعه وفي اتجاه وحدة حياتنا ووحدة مصيرنا. 

ونحصِّنُ مجتمعنا بالتخلص من المفاهيم المبلبلة التي جزأت حقيقتنا القومية وبنبذ المبادىء الفاسدة والثقافات اللاقومية واللإجتماعية واللامدنية التي تسلَّطت على حياتنا وساهمت في تفسخنا الروحي وفي الفوضى الفكرية والسياسية والإجتماعية المسؤولة عن الكوارث القومية التي حلت بنا. 

المطلوب هو ان نستبدل المفاهيم المبلبلة والمبادىء الفاسدة والعقيمة بمفاهيم ومبادىء جديدة تضع المجهود القومي في اتجاه سليم وتكون أساساً لوعي قومي صحيح ولنهضة الأمة. 

المبادىء الجديدة التي نحتاج إليها هي المبادىء التي تتكفل بإخراجنا من الفوضى والبلبلة والشك والتفسخ الروحي إلى النظام والوضوح واليقين والثقة والوحدة الروحية والإجتماعية.

والمطلوب هو ان نغلِّبَ الثقافة القومية على كل الثقافات اللاقومية لأن الثقافة القومية هي أساس الوحدة الإجتماعية والوعي القومي وهي الرد التاريخي على ما يواجهنا من تحديات مصيرية. في ضوئها نستطيع ان نقرأ أحداث العالم وتطوراته وأحداث منطقتنا وتفاصيلها قراءة واحدة نستخرج بواسطتها الدروس والعبر فتتوضح لنا الرؤية وتتأكد المواقف في زمن يجب ان نكون فيه بموقف واحد وإرادة واحدة لا بمواقف متناقضة وإرادات متضاربة. 

أما عن كيفية تأهيل مجتمعنا لكي تكون له القدرة على مواجهة “السلم الإسرائيلي” فإننا نؤهله بإعتماد خطط تغييرية بناءة تهدف إلى توظيف كل الإمكانيات والقدرات وإلى تدعيم المجتمع من خلال إنشاء مؤسسات جديدة فيه تصب فيها طاقات الشعب وكفاءاته وتعمل على تنظيم المجتمع في اتجاهاته الأساسية. 

نؤهل مجتمعنا بإعتماد حلول جذرية تعالج بنى مجتمعنا ومشاكله التربوية والتعليمية والإقتصادية والدستورية والسياسية وإلى ما هنالك من مشكلات متراكمة اعتمدنا على مواجهتها بأساليب إعتباطية وإرتجالية فكانت تزيد بتعقدها وسلبيتها. 

ونؤهل مجتمعنا بترقية الوعي والمعرفة عند أبنائه، الوعي لوحدة حياتهم ومصيرهم ومصالحهم، والمعرفة لحقيقة أوضاعهم القائمة بجميع وجوهها. 

ونؤهل مجتمعنا ببعث فضائله وقيمه العليا وبإستنهاض القوة والأصالة الكامنة في شعبنا الحضاري. 

إن إستراتيجية عدونا كانت وستبقى هادفة إلى تفتيتنا وتقسيمنا واستنزاف طاقاتنا وإلى خلق عصبيات تصادمية في قلب مجتمعنا وكيانات متخاصمة في قلب منطقتنا، لذلك فإن خطتنا المعاكسة يجب ان تقوم على تنمية روح التضامن والتعاون ما بين كياناتنا وأنظمتها وما بين مؤسساتنا الرسمية والشعبية والحزبية. وفي هذا المجال نشير إلى ان معاهدة الأخوة بين لبنان والشام وما سينتج عنها من إتفاقات وخطوات تأتي في سياق النهج المطلوب اعتماده لتنمية روح التضامن والتعاون ما بين كياناتنا السياسية. 

برأينا ان هذه المعاهدة يجب تطويرها وجعلها نموذجاً للعلاقات بين كيانات الأمة السياسية الأخرى التي ما زالت تحافظ على أوضاع التجزئة التي أوجدها المستعمر والتي ينفرد كل منها بالإهتمام بقضايا جزئية لا علاقة لها بالخطر الكبير الذي تواجهه. 

المطلوب هو صياغة علاقة عضوية متميزة ليس بين بيروت ودمشق فحسب بل بين كياناتنا السورية كلها لأن العدو الصهيوني لن يوفر أي من هذه الكيانات بل هو يستهدفنا على أساس أننا شعب واحد ويحاول تعميق تناقضاتنا وانهاكنا بمعارك وهمية مفتعلة. 

 

كيف نصل إلى مصير صحيح؟ 

 

ان التعاون القومي من أجل قضية واحدة تجتمع فيها كل الكيانات السورية وكل القوى والفعاليات الحزبية والشعبية لكفيل بصيانة مجتمعنا وتمكينه لمواجهة “السلم الإسرائيلي” ومفاهيمه ولكفيل أيضاً بإفشال المخططات الصهيونية والأميركانية. 

يقول زعيمنا سعاده الذي استشرف الخطر الصهيوني على بلادنا منذ العشرينات ونبه إليه وعمل على مجابهته بتأسيس خطة نظامية معاكسة لخطة الحركة الصهيونية، يقول: “لا يمكن ان نصل إلى مصير صحيح إلا بقضية واحدة كلية لا بقضايا مبعثرة لا رابطة بينها”. 

وقضية الأمة هي قضية واحدة اليوم وتتمثل بحرب الموت او الحياة التي يشنّها أعداء الأمة علينا ويعتمدون من أجل الفوز بها على استراتيجية جديدة وهي تسريب السلم إلى مجتمعنا والهيمنة الكاملة عليه. 

في الختام، لا بد من التأكيد على موقف نهضتنا القومية الإجتماعية المبدئي من السلم كما أعلنه سعاده العظيم وأكدَّ عليه مراراً. “سياستنا في السلم”، يقول سعاده، “هي ان يسّلم أعداء هذه الأمة للأمة بحقها ونهضتها”. ويقول أيضاً: “أن النهضة القومية الإجتماعية لا ترفض السلام العالمي الدائم بعد ان تكون حققت إنتصاراتها العظمى التي تجعل للأمة السورية مرتبة ممتازة في السلام وفي حقوق السلام. اما السلام العالمي بعد تجريد الأمة السورية من حقوقها القومية في كيليكية والإسكندرون وفلسطين وسيناء وقبرص وبعد تجريدها من مواردها الطبيعية فماذا يعني لها غير الذل والفقر والفناء؟. 

Share this:

Comments

Author : admin

admin

جميع المقالات والمواد الواردة في هذا الموقع محمية حقوق النشر والطبع لذلك يمنع نسخها او استخدامها الا بعد ذكر مصدرها ونسبها للموقع

RELATED POSTS

Leave A Reply