السناجق السورية تحت الاحتلال التركي

img

البحث التالي من محاضرة ألقاها الرفيق شادي بركات في المركز الدولي لعلوم الانسان / الاونيسكو

تمتد الحدود الحالية بين سورية وتركيا على 822كم تبدأ من نقطة تقع إلى الجنوب مباشرة من باياس على خليج إسكندرون لتصل إلى محطة القطار في كلس ويستمر عند الحد الجنوبي لخط سكة حديد اسطنبول – بغداد.

تشتمل هذه الحدود على عشرات المعابر غير الرسمية والترابية و 9 معابر رسمية وهي على الشكل التالي من الغرب الى الشرق: كسب، باب الهوى، باب السلامة، جرابلس، عين عرب – كوباني، تل أبيض، راس العين، القامشلي وعين دوار، مع الاشارة الى أن هذ الحدود تقسم عدد من البلدات والمتحدات (community) وتفصلها عن بعضها دون قدرتها على ايقاف وحدة الحياة فيها كمثل تل أبيض وراس العين.

هذه الحدود السياسية والتي جاءت نتيجة معاهدات واتفاقيات بين تركية والانتداب الفرنسي من جهة وأخرى بين الحلفاء من جهة أخرى، وأسفرت هذه المعاهدة عن وضع السناجق السورية الشمالية ضمن الأراضي التركية وعن عزل مدينة حلب عن معظم المناطق الشمالية التي كانت ضمن ولاية حلب وولاية أضنة ودير الزور.

نتيجة لهذه المعاهدات، أمست العديد من المدن السورية تحت الاحتلال التركي لتشكل اليوم الأقاليم الجنوبية لتركيا الحديثة وهي بالاضافة الى اللواء اسكندرون وكيليكيا  المدن والسناجق التالية (من الغرب إلى الشرق): أضنة ومرعش وعينتاب وكلس وأورفة وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر.

المعابر السورية التركية

ما هي الأقاليم السورية الشمالية؟

الأقاليم السورية الشمالية أو السناجق السورية الشمالية أو ما يعرف بكيليكيا واللواء الاسكندرون هي مناطق تمتد من جبال طوروس وصولا الى اللواء الاسكندرون والحدود التركية – السورية الحالية، تم ضمها إلى تركيا بموجب اتفاقية أنقرة عام 1921 بين فرنسا والحكومة القومية التركية مقابل اعتراف تركيا بالانتداب الفرنسي على سوريا. تبنى الحلفاء الاتفاق الثنائي في معاهدة لوزان عام 1923 لترسم خطًا جديدًا للحدود بين تركيا من جهة ومناطق الانتداب البريطاني والفرنسي من جهة أخرى مع الاشارة الى أن معاهدة لوزان جاءت كتعديل لمعاهدة سيفر عام 1920 التي أعقبت الحرب العالمية الأولى والتي لم تعترف بالولاية التركية على هذه الاقاليم.

وتشمل هذه المناطق المدن الممتدة من ذرى جبال طوروس أو الخط المتعرج الواصل بين ديار بكر (في الشمال الشرقي) ومرعش (في الشمال الأوسط) ومرسين (في الغرب) الحد الفاصل بين الأراضي السورية وتركيا وهي: التالية مرسين وطرسوس وكيليكية وأضنة ومرعش وعنتاب وكلس والبيرة واورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر بالاضافة الى لواء الاسكندرون السليب.

تضمنت المراسلات الفرنسية البريطانية التي أدت إلى اتفاقية سايكس-بيكو إشارة واضحة إلى حدود سورية شاملة هذه الأقاليم، وفي النص التالي تعليمات من الرئيس الفرنسي بريان إلى سفيره في لندن بول كامبون والمفاوض الفرنسي جورج بيكو الخارجية الفرنسية تشير إليها في 9 تشرين الأول 1915 على النحو التالي:

«بعد تقديم هذا التحفظ، فإنه يبدو أن الحل الأبسط يمكن في تثبيت الحدود الإدارية الحالية لسورية. وهكذا، فستشتمل أرضها على ولايات أو متصرفيات القدس وبيروت ولبنان ودمشق وحلب، وفي الشمال الغربي على الجزء الكامل من ولاية أضنة الواقع جنوب طوروس».[ حجار، جوزيف، 1999. سورية بلاد الشام: تجزئة وطن. دار طلاس. ص 78]

أبرز المراحل التاريخيّة

  • معاهدة سايكس بيكو عام 1916 المادة 9 والتي جاء فيها:

“تتعهد الحكومة الفرنسية بأن لاتقوم بأي مفاوضات في أي زمن حول التنازل عن حقوقها أو إعطاء تلك الحقوق التي تملكها في المنطقة الزرقاء إلى أي حكومة, ما عدا الحكومات السورية. وكذلك حكومة صاحبة الجلالة تتعهد أيضا فيما يتعلق بالمنطقة الحمراء”.

وأخضعت الاتفاقية السناجق السورية تحت الادارة الفرنسية المباشرة.

  • معاهدة سيڨر 10 أغسطس 1920 عندما عقد الحلفاء معاهدة سيفر مع تركيا عام 1920 أقرت تركيا بمنطقتي الاسكندرون وكيليكية كجزء متمم للوطن السورية.
  • معاهدة أنقرة بين فرانكلين بويون وحسين كمال عام 1921 والتي تنازل فيها الفرنسيين عن السناجق السورية الى تركيا، من هنا نشير الى أنّ هذه المعاهدة غير شرعية لأن فرنسا في ذلك التاريخ لم تكن مؤهلة ولا تحمل أي صفة لتفاوض باسم الدولة السورية وبالتالي لا يوجد شرعية تركية  لسرقة كيليكيا.
  • تعهد فرنسا تجاه عصبة الأمم مادة 22 من العهد وفقا لصك الإنتداب المؤرخ في 24 حزيران 1922 المادة الرابعة: لا يُسمح لها بالتفريط بأراضي الدولة المُنتدَبة عليها.
  • الاتفاقية الائتلافية في لوزان 24 تموز1923 التي وقع عليها تسعة دول ( إنكلترا- فرنسا- إيطاليا- اليابان- اليونان- رومانيا- الصرب- كرواتيا- سلوفانيا ) وأصبحت نافذة من تاريخ التوقيع وجاءت تعديلاً على اتفاقية سيفر التي رفضها الأتراك. (المادة الثانية من الاتفاقية المتعلقة بالحدود: لواء اسكندرون خارج حدود الدولة التركية).
  • قانون التتريك في عام 1928 وطُبّق في اللواء بتحريم التكلّم أو استخدام اللغة السورية العربية في الأماكن العامة والدوائر الرسمية والمدارس وحتى في المنازل, مع صمت كامل لسلطات الانتداب الفرنسي علما أن اللغة التركية في ذلك الوقت كانت تستخدم الأبجدية العربية.
  • إنزال العلم السوري بتاريخ 29 تشرين الثاني 1937 عن السراي الحكومي فيما بقي لواء اسكندرون أرض سورية وبهذا لم تكن اتفاقيّة سان ريمون موعد فصل اللواء ولكنه حُضر للإنفصال.
  • 14 كانون الثاني 1939 المصادقة على الميزانية وكانت محددة بالليرات السورية ومواردها 390000 ليرة سورية ضرائب مباشرة و478000 ليرة سورية ضرائب غير مباشرة.

 بذلك يكون التصريح وبروتوكول 23 حزيران 1939 هو التاريخ الحقيقي لسلخ اللواء وهو غير شرعي  لأنه صدر بموافقة فرنسا  لإلحاق اللواء وبمعزل عن عصبة الأمم وما بني على باطل هو باطل أيضا. 

1

موقف المؤتمر السوري العام

رفض السوريون الحاق هذه الاقاليم بتركيا وجاء في المؤتمر السوري العام وهو تجمع سياسي أقيم في دمشق بمشاركة ممثلين عن كافة مناطق سورية الطبيعية من أواخر حزيران 1919 إلى أواخر تموز 1920 وكان هذا المؤتمر بمثابة برلمان سوري، وفي اجتماع له في 8 آذار 1920 أعلن هذا المؤتمر أبرز مقرراته وهو إعلان استقلال سورية باسم المملكة السورية العربية بحدودها الطبيعية ومن ضمنها كيليكيا واللواء الاسكندرون.

ومثّل انطاكيا في المؤتمر كل من صبحي بركات ومصطفى لطفي الرفاعي وهما كانا قادة المقاومة السورية ضد الاحتلال الفرنسي في تلك المناطق ] محمد عزة دروزة. 1986. مذكرات وتسجيلات. الجزء الثاني. الجمعية الفلسطينية للتاريخ والآثار. ص149.[

 

اتفاقية أنقرة

وهي اتفاقية وقعت بين فرنسا وتركيا في 20 تشرين الأول عام 1921.

وقع المعاهدة الدبلوماسي الفرنسي هنري فرانكلان بويون ووزير الخارجية التركي يوسف كمال.

أدت المعاهدة الى ايقاف الحرب الفرنسية التركية وكان أثرها الأكبر تعديل خط الحدود بين سورية (الواقعة تحت الاحتلال الفرنسي آنذاك) وتركيا الذي كانت حدودها تصل حدودها الى جبال طوروس كما أقرت معاهدة سيفر التي أنهت الحرب العالمية الأولى.

رسمت الاتفاقية الحدود الحديثة لتركية والتي أسفرت عن وضع السناجق السورية الشمالية ضمن الأراضي التركية وعن عزل مدينة حلب عن معظم المناطق الشمالية التي كانت ضمن ولاية حلب وولاية أضنة.

خارطة الولايات العثمانية في المشرق العربي تظهر معظم الأقاليم السورية الشمالية ضمن ولايات حلب وأضنة وديار بكر إضافة إلى متصرفية دير الزور

خارطة الولايات العثمانية في المشرق العربي تظهر معظم الأقاليم السورية الشمالية ضمن ولايات حلب وأضنة وديار بكر إضافة إلى متصرفية دير الزور

تأتي اتفاقية انقرة الموقعة عام 1921 ضمن وثيقة ارسلها السفير البريطاني الى حكومته تشرح تفاصيل وترجمة الاتفاقية الى الانجليزية وترفق رسالة من مصطفى كمال بيه (وزير الشؤون الخارجية في حكومة انقرة ) وFranklin bouillon  الطرف الفرنسي تحدد موقف الحكومة التركية من الاتفاقية.

تتألف هذه الاتفاقية من ثلاث عشرة مادة تخلى المستعمر الفرنسي بموجب هذه الاتفاقية ووفق المادة الثامنة منها لتركيا عن أجزاء من سورية والتي عرفت آنذاك بالأقاليم السورية الشمالية او الجزيرة الفراتية العليا وتم ضمها إلى تركيا بموجب هذه الاتفاقية مقابل اعتراف تركيا بالانتداب الفرنسي على سورية.

 

ملاحظات عامة على الوثيقة

1- المادة السادسة من الاتفاقية تتعلق  بايقاف كل حالات الحرب بين الدولتين وتنص على ان حقوق الاقليات محفوظة وفق تصور الحلفاء ليأتي هذا الكلام عن حقوق الاقليات في النص الفرنسي دون اي اشارة الى الارمن والسريان التي لم يكن قد انقضى على المجازر التي ارتكبتها تركيا بحقهم وقت طويل مما يبرز منطق مصالح الامم ويبعد كل تسويق عن القيم التي يحملها العالم الاستعماري.

2- المادة السابعة تتحدث عن نظام اداري خاص يؤسس لمنطقة اسكندرونة (لم تسميها الاتفاقية بالتسمية التركية اي هاتاي) وتنص “ان للسكان من العرق التركي حق التمتع بكل التسهيلات لتطوير ثقافتهم واللغة التركية ستكون اللغة الرسمية بهذه المنطقة”، وتعتبر هذه المادة مشابهة لحد كبير لوعد بلفور من حيث الصياغة والمرامي اضافةً الى انها تهدف الى اعادة تصميم وهندسة سكانية لمنطقة الاسكندرونة الواضح من هذا النص ان الحكومة التركية لاحقا لهذه الاتفاقية نفذت ما قرره الفرنسيون وفق هذه المادة.

3- المادة السابعة: تتحدث عن قبر سلمان شاه وتنص على ان القبر وملحقاته يبقى “ملك تركيا” ولها الحق برفع علمها ووضع حراسات عليه دون اي اشارة الى آلية تتبع كيفية انتقال هذا الالتزام كما هو للحكومات السورية اللاحقة

4- المادة الحادية عشرة: تتعلق بتشكيل لجنة سورية تركية مشتركة لمناقشة الاجراءات الجمركية كما تتحدث المعاهدة كذلك عن حدود حلب والتقسيم المائي للفرات وبعض المنابع الاخرى.

اما في الرسالة الجوابية لقبول المعاهدة تتعهد الحكومة التركية بما يلي:

1- اعطاء الفرنسيين حقوق التنقيب والاستثمار المشترك لمناجم الحديد والكروم والفضة في وادي حرشيت لمدة 99 سنة (تنتهي في تشرين اول 2020).

2- نقاش الاستثمار الفرنسي للمناجم وسكك الحديد والموانئ وتطوير الانهار.

3- استقدام الاساتذة الفرنسيين الى تركيا.

 

معاهدتي سيفر ولوزان

معاهدة سيڨر 1920 والتي وقعتها تركيا مع دول الحلفاء عقب هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وتعتبر هذه المعهادة المسمار الأخير في نعش تركيا العثمانية والتي أدت الى تفككها وإنهيارها وتضمنت تلك المعاهدة التخلي عن جميع الأراضي الواقعة تحت الاحتلال التركي لغير الناطقين باللغة التركية، الا أن الأتراك رفضوها وهي التي قسم حتى تركيا الحديثة ودفعت الأحداث اتجاه معاهدة لوزان حيث وافق عليها القوميين الأتراك بقيادة أتاتورك والتي ساعدت على تشكيل الجمهورية التركية الحديثة.

وقد ألغيت معاهدة سيفر خلال واستبدلتها الأطراف بمعاهدة لوزان التي وقعت عليها واعتمدتها سنة 1923 و1924.

حدود تركيا وفقا لمعاهدة سيفر

جاءت اتفاقية لوزان بشكل غريب حيث أعادت الحياة للدولة التركية المهزومة في الحرب العالمية الأولى وأعادت وحدتها وابطال معاهدة سيفر و قادت المعاهدة إلى اعتراف دولي بجمهورية تركيا التي ورثت محل الإمبراطورية العثمانية وأعيد ترسيم الحدود مع سوريا عبر سلخ أراض واسعة والحاقها بتركيا عبر ضمها من الغرب إلى الشرق مدن ومناطق مرسين وطرسوس وقيليقية وأضنة وعنتاب وكلس ومرعش واورفة وحران وديار بكر وماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر.

مع الاشارة الى أن الايالات العثمانية الآسيوية عام 1855 تظهر تبعية الأقاليم السورية الشمالية إداريًا لإيالات بغداد والرقة وحلب.

حدود تركيا وفقا لمعاهدة لوزان الثانية

حدود تركيا وفقا لمعاهدة لوزان الثانية

 

تطور الأحداث ومسألة الاسكندرون

بعد نشوء الدولة التركية الحديثة عام 1923 وتوقيع اتفاقية لوزان في نفس العام التي تنازلت فرنسا بموجبها عن الأقاليم السورية الشمالية انتقل خط الحدود السورية التركية باتجاه الجنوب مع بقاء اللواء الاسكندرون ضمن الاراضي السورية الا أن الأطماع التركية بقيت قائمة في اللواء الذي استقل إداريا وأطلق عليه لواء الإسكندرونة حتى صدور قانون التنظيمات الإدارية في العاشر من كانون الثاني عام 1936 فأصبح محافظة سورية كبقية المحافظات وبقيت كلمة لواء هي الغالبة في الاستعمال.

وفي عام 1936 اندلعت مظاهرات ضد فرنسا دامت أربعين يوماً في جميع المدن السورية للمطالبة بالاستقلال فأذعنت فرنسا وعقدت مع سورية في 9 أيلول من العام ذاته معاهدة تضمن الحرية والاستقلال لسورية بما فيها اللواء ودخولها في عصبة الأمم.

ورفضت تركيا إبقاء اللواء ضمن الدولة السورية وطالبت بتحويله إلى دولة مستقلة شأن دولتي سورية ولبنان وإنشاء اتحاد فيدرالي بينها ورفعت القضية إلى عصبة الأمم فيما خالفت فرنسا صك الانتداب الذي يمنع الدولة المنتدبة من التنازل عن أي جزء من الأراضي المنتدبة عليها.

وفي كانون الأول عام 1936 بحثت عصبة الأمم الطلب التركي الذي زعم أنه يريد فقط حماية حقوق الأتراك الذين يتعرضون للاضطهاد والحفاظ على حريتهم في اللواء فاقترح رئيس مجلس العصبة إرسال ثلاثة مراقبين دوليين وتمت الموافقة على الاقتراح رغم معارضة تركيا له.

ووصلت في الشهر ذاته لجنة المراقبين إلى أنطاكية وطافت في مختلف المناطق والنواحي وتعرفت على السكان واجتمعت مع وجهاء الطوائف وزعماء الهيئات السياسية والدينية واستمعت إلى مطالبهم وفي شهر كانون الثاني من عام 1937 نظم السوريون في مدن أنطاكية والريحانية واسكندرون وبلدة السويدية مسيرات شعبية حاشدة أمام اللجنة حملوا فيها الأعلام السورية وطالبوا بالمحافظة على ارتباط اللواء بوطنهم سورية.

وعادت اللجنة الدولية إلى جنيف بانطباعات أن الأتراك لا يشكلون أكثرية السكان وأن الغالبية العظمى من سكان اللواء سوريين أنهم بما فيهم نسبة كبيرة من الأتراك يعارضون ضمه إلى تركيا وأن الأتراك ليسوا مضطهدين من جانب السلطة المحلية.

واستمرت الاتصالات بين فرنسا وتركيا بوجود لجنة المراقبين الدوليين في اللواء مع بدء التوتر في القارة الأوروبية مع ألمانيا النازية وأجرتا محادثات ثنائية انتهت في 24 كانون الثاني عام 1937 باتفاق على جعل اللواء منطقة مستقلة ذاتيا في نطاق الوحدة السورية على أن تكون منزوعة السلاح وقدمت اللجنة تقريرها إلى مجلس العصبة متضمناً مقترحاتها التي يجب أن يبنى عليها نظام اللواء وقانونه الأساسي فأقره المجلس في جلسة 29 كانون الثاني عام 1937 وعهد إلى لجنة خبراء صياغة النظام والقانون الأساسي.

وشكلت عصبة الأمم لجنة من ستة خبراء أعدت نظاما عاما وقانونا أساسيا للواء من 55 مادة وتم إقرارهما في جلسة 29 أيار 1937 وحدد يوم 29 تشرين الثاني 1937 موعداً لبدء تنفيذهما وينص هذا النظام على أن يكون اللواء منطقة مستقلة في أمورها الداخلية وتدار أمورها الخارجية من قبل سورية ويقوم الممثلون الدبلوماسيون والقناصل السوريون في الخارج برعاية مصالحها وتقوم إدارة جمركية موحدة بين سورية واللواء ويكون لهما نظام نقدي واحد وخدمة بريدية موحدة فيما يكون لمجلس عصبة الأمم سلطة الإشراف على شؤون اللواء عن طريق تعيين مندوب من الجنسية الفرنسية.

ونص الدستور المقر من عصبة الأمم أيضا على تشكيل مجلس نيابي يتألف من أربعين عضواً ينتخبون لمدة أربع سنوات ويجري تسجيل الناخبين في أول انتخابات من قبل لجنة دولية يشكلها مجلس العصبة.

وأعلنت تركيا وفرنسا أمام مجلس عصبة الأمم قبولهما بالتسوية الجديدة كحل نهائي لوضع لواء اسكندرون وعلى الرغم من إعلان تركيا ذلك نصرا لها إلا أن أطماعها استمرت فيما قام المفوض السامي الفرنسي بإنزال العلم السوري إيذاناً ببدء تطبيق نظام اللواء فقوبل بمظاهرات حاشدة من قبل أبناء اللواء باعتبار أن نص النظام يشير إلى أن اللواء جزء من سورية التي تدير شؤونه الخارجية.

وفي كانون الأول عام 1937 وضع قانون الانتخابات وفق المطالب التركية وبدأت السلطات التركية حملة من الضغوط والتهديد والرشوة والإغراء بالاتفاق مع السلطة الفرنسية التي سمحت لها بإدخال عشرات آلاف الناخبين من تركيا إلى اللواء بعد تزويدهم بهويات مزورة.

وفي نيسان 1938 وصلت اللجنة الدولية التي شكلها مجلس العصبة إلى اللواء لإجراء الانتخابات فيه وفي أيار عام 1938 حقق السوريين في اسكندرون وقرق خان وأنطاكية تفوقاً على الأتراك في عدد الناخبين المسجلين ومع وصول الأمور إلى هذه المرحلة الحرجة لتركيا تم الإعلان عن اتفاق سري كان قد عقد بين فرنسا وتركيا بجنيف في آذار من نفس العام تعهدت فرنسا بموجبه ضمان أغلبية تركية في مجلس اللواء المقبل وبما أن التعهد لم ينفذ قامت تركيا بحشد قواتها على حدود اللواء وأنذرت فرنسا باحتلاله إن لم تف بتعهداتها.

وبسرعة فائقة قامت فرنسا بإجراءات لتنفيذ تعهدها هذا فأعلنته صراحة على لسان روجيه غارو مندوبها في اللواء في اجتماع عقده في دار بلدية أنطاكية لزعماء الطوائف السورية والأرمنية الذين رفضوا طلبه فقامت فرنسا بإعلان الأحكام العرفية والطلب إلى اللجنة الدولية وقف عمليات تسجيل الناخبين بحجة اضطراب الأمن فاستجابت اللجنة لطلبها واتخذت فرنسا خلال هذه الفترة إجراءات تعسفية عدة تضمن غلبة العنصر التركي.

وفي 9 حزيران عام  1938 استقال المندوب الفرنسي غارو من منصبه وغادر المنطقة معلنا لأصدقائه أن ضميره لا يسمح له بتنفيذ سياسة دولته في اللواء فأسندت فرنسا وظيفته إلى الكولونيل كوله وعندما استأنفت اللجنة الدولية أعمال تسجيل الناخبين قامت الميليشيات التركية بتطويق مراكز التسجيل في الأحياء والقرى السورية ومنعت الناخبين من الوصول إليها واعتقلت كل من يحاول ذلك فاحتجت اللجنة الدولية على هذا الاجراء وارسلت في 13 حزيران عام 1938 برقية الى مجلس العصبة أبلغته فيها عن أعمال الضغط التي مارستها السلطة ضد العرب والتي ترمي الى ارغامهم على التسجيل في القائمة التركية او التخلي عنه.

وعلى اثر موقف اللجنة الذي يفضح تآمر فرنسا وتركيا على حرية الانتخابات وتزويرها لمصلحة الأتراك أعلنت فرنسا وتركيا قطع علاقاتهما مع اللجنة وطلبتا من مجلس العصبة استدعاءها لكن اللجنة استمرت في أعمال تسجيل الناخبين فأقدمت السلطة على توقيف مخاتير القرى وممثلي العرب لدى مكاتب التسجيل وأوقفت الزعماء والشباب العرب وملأت السجون بالمعتقلين فاضطرت اللجنة الدولية إلى إغلاق مراكز التسجيل وأرسلت تقريراً مفصلاً إلى السكرتير العام لعصبة الأمم بالانتهاكات الفرنسية والتركية.

وفي 23 حزيران عام 1938 اتفقت فرنسا وتركيا على ادخال 2500 جندي تركي إلى اللواء بحجة المشاركة في حفظ الامن مع القوات الفرنسية وفي 29 حزيران عام 1938 غادرت اللجنة الدولية اللواء إلى لبنان وأعدت تقريرها النهائي في 150 صفحة ذكرت فيه جميع الأعمال التي قامت بها والنتائج التي حققتها في التسجيل والتي أظهرت تفوق العرب عددياً على الأتراك وذكرت أعمال الضغط والإرهاب التي مارستها السلطة الفرنسية ضد السوريين ورفعت تقريرها إلى السكرتير العام لعصبة الأمم في 30 تموز 1938.

وفي الشهر ذاته أخذ شبح الحرب يخيم على أوروبا فوقعت فرنسا وتركيا معاهدة صداقة بينهما تضمنت تعهد الطرفين بأن لا يدخل أحدهما في حلف ضد الآخر وأن يعترفا باستقلال اللواء ويطبقا النظام الموضوع له من قبل عصبة الأمم على أن يضمنا تفوق العنصر التركي فيه وقاما في 18 تموز عام 1938 بتشكيل لجنة مشتركة للإشراف على الانتخابات بعد طرد اللجنة الدولية حيث أعادت هذه اللجنة النظر في الجداول الانتخابية وألغت قيود الآلاف من الناخبين العرب ودعت إلى انتخابات قاطعها العرب والأرمن ففازت القوائم التركية بالتزكية.

وفي الثاني من أيلول عام 1938 عقد مجلس اللواء المزور جلسته الأولى وانتخب رئيساً وشكل وزارة من الأتراك لتبدأ مرحلة تتريك طالت كل شيء في اللواء بدءا من اسمه الذي أصبح /هاتاي/ وليس انتهاء بتهجير السوريين والعبث بهويته الديموغرافية وإلغاء التعليم باللغة السورية وإلغاء كل المعاملات الحكومية بها وتبني الليرة التركية كعملة رسمية بما يخالف النظام الذي وضعته عصبة الأمم.

خلاصة

أخيراً يجب التأكيد أنه لا يمكن فصل اتفاقية سان ريمون ووعد بلفور واتفاقية أنقرة عن بعضها البعض عند دراستها، حيث قسمت هذه المعاهدات سورية الى دوليلات طائفية كدولة حلب ودولة دمشق ودولة العلويين المستقلة ودولة جبل الدروز ولبنان الكبير كما سلخت الاقاليم السورية الشمالية واللواء السليب وألحقتها بتركيا في المقابل وفي نفس الفترة الزمنية جاء وعد بلفور الذي كان مقدمة مأساة فلسطين واحتلالها.

ولكن مع سلخ السناجق السورية لم تنجح قيام الدويلات المذهبية التي رفضها السورييون واقتصرت على لبنان والدولة اليهودية.

شادي بركات

ماجستير في ادارة المنظمات الالكترونية

ماجستير في ادارة الأعمال

Share this:

Comments

Author : admin

admin

جميع المقالات والمواد الواردة في هذا الموقع محمية حقوق النشر والطبع لذلك يمنع نسخها او استخدامها الا بعد ذكر مصدرها ونسبها للموقع

RELATED POSTS

Leave A Reply