إنسان الثامن من تموز

img

بقلم الرفيق أدمير كورية

حين نتأمل في ذكرى الثامن من تموز تعود بنا الذاكرة عفوياً الى الماضي يوم استشهد سعاده. ولكن العودة الى الماضي، بالنسبة لصاحب الشهادة ولنا، لم تعني الانغماس بما مضى أو البكاء على الاطلال، بل الإنطلاق من قواعد العلم والعقل التي تؤكد على جدلية العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. كان صاحب الشهادة معنياً بدراسة الماضي لأنه كان يعلم جيداً ان ذاك الماضي كان يوماً جزء من الحاضر الذي  عاش شعبنا في ظله، ولا زال جزء من حاضرنا لأننا لازلنا نعاني من آثاره.

 

عندما نتأنى في دراسة الظروف التاريخية التي أحاطت باستشهاد سعاده نجد أنفسنا أمام قوتين، الواحدة ممثلة بالطائفية السياسية المتحالفة مع قوى إقليمية ودولية تحاول تكريس تجزئة سايكس بيكو حفاظاً على مصالحها الآنية والخاصة. هذه القوى التي لبست ثوب الطائفية والمذهبية والعنصرية كانت ولا زالت تعيش في الحاضر فقط وتكرس مفاعيل التجزئة القومية والإجتماعية والسياسية، غير مبالية أن تكريسها للتجزئة ستكون له تداعيات سلبية على أمن ومصالح الأمة ككل. هذه الطائفية السياسية التي تآمرت على سعاده في الماضي وتحالفت مع قوى إقليمية، هي ذاتها اليوم متحالفة مع القوى التكفيرية والإقليمية بغية الحفاظ على مصالحها الخاصة.

 

أما القوة الأخرى التي استشهد سعاده من أجلها فهي تمثل الأمة السورية مصغرة، لذا قال سعاده قبل إستشهاده “أنا اموت أما حزبي فباق.” أي أن سعاده رحل في الجسد، أما ما مثله من فكر وقيم ومناقب فلا زال فاعلاً وفعّالاً، ويتجلى في مواقف ونضالات القوميين الاجتماعيين عبر الوطن والمغتربات. هذه النخبة التي إستنارت بفكر سعاده قبل وبعد إستشهاده لم تنقل الأمة السورية من حالة الكمون الى حالة الوجود الفاعل فحسب، بل وضعت القوميين الإجتماعيين أمام تحديات كبيرة، لا سيما في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها امتنا.

 

ان إحياءنا الثامن من تموز ليس مجرد إستذكار روتيني لإستشهاد سعاده بل إستنارة بفكره وإستشرافاته. كان سعاده يعلم جيداً ان أعداء الداخل لن يترددوا في التحالف مع قوى إقليمية ودولية لتمزيق النسيج القومي والإجتماعي للامة، لذلك حارب الأقطاع والطائفية السياسية مؤكداً على وحدة المجتمع القومي التي تقتضي فصل الدين عن الدولة وإنشاء مجتمع مدني علماني يخضع لقيم العقل، يقيم فيه الأنسان على أساس المواطنة وليس على أساس الدين والمذهب والأثنية. فحين نحيي الثامن من تموز علينا أن نعمل على تجسيد إنسان سعاده: الإنسان المجتمع، إنسان الحق الخير والجمال، إنسان العقل، إنسان وقفات العزّ.

Share this:

Comments

Author : admin

admin

جميع المقالات والمواد الواردة في هذا الموقع محمية حقوق النشر والطبع لذلك يمنع نسخها او استخدامها الا بعد ذكر مصدرها ونسبها للموقع

RELATED POSTS

Comments are closed.