حركة هجومية لا دفاعية

img

  

يرتكزُ خِطابُنا في الهلالِ الخصيب على ثقافةٍ دفاعيّةٍ تُشكّلُ أساسَ نظامنا المعرفي وتجسيداً لسلوكِنا على كافةِ المستوياتِ من الفردِ وصولاً لعقلِ الدولةِ مركزِ السُّلطة.

 

بقلم الرفيق شادي بركات
ناظر الاذاعة والاعلام في منفذية الطلبة الجامعيين في بيروت

 

هذه الثقافة الدفاعية تُعبّر عن لا وعينا المعرفي، أي المنطق الذي يحكمُ إنتاج وتداولَ المعرفة ونظامنا الأدواتي، وهي جزءٌ من المعرفةِ المجتمعة العميقةِ ذو نظام مؤَسس وعميق التأثير يتملّك مِقياسَ الحقيقةِ، هذا النظامُ يُشكّلُ عمليةَ التفكيرِ ويُحددُ شُروطِها وحدودِها وما ينتجُ عنها من أدواتِ مواجهةٍ.

 

وفيما يرتكزُ نظام المعرفة لدينا –كما ذكرنا- على الثقافةِ الدفاعيّة لأسبابٍ عِدّة مِنها الرَّخاءُ المدنيُ والابتعادُ عن الغزوِ والإنتاجِ الحربي في عصورٍ سابقةٍ ومن ثُمَّ في عصورٍ لاحقة إلى التَقهقُرِ العسكري والنوائبِ النفسيّة والاضمحلالِ في الإنتاجِ العلمي والمعرفي والرضوخِ للاحتلالاتِ المُتتالية … تَركّزَ النِظامُ المعرفي للحاويةِ البدويّةِ للحديقةِ الخلفيّة السوريّة على الثقافةِ الهجومية التي فرضتها مصالحَ الوجودِ البدويةِ ضمنَ البيئةِ الصحراوية، مما جعلَ المدنيّة السوريّة بحالةِ انكفاءٍ دائمٍ أمامَ الغزو البدوي من الجنوب (العربي) والشّرق (المغولي) والشمال (التتار).

وهذا يَظهر جلياً بآليةِ مُحاكاةِ أي اشتباكٍ حيث ترتكزُ قواعدُنا على “القدرةٍ على التعطيل” وليسَ على الهجوم (يمكنُ استثناءَ العملياتِ الخارجيّة للمقاومة في سبعينياتِ القرن الماضي).

 

حتى على صعيدِ الغزوِ الثقافي والحداثوي لم يستطعْ النظامُ المعرفيُّ السوري (الدفاعي) الاستفادةَ منها وتحويلِها لصالحهِ مما أفقدهُ مصادرَ الشرعيةِ حتى التقليديةِ منها، آخذاً من القوى التحديثية والغزوِ التكنلوجي كتهديدٍ لا كفُرصةٍ .. مُعتمداً على قمعِها بدلاً من تجهيزِها والاستفادةِ منها، وهو جزءٌ من الإجراءِ الدفاعي لا الهجومي.

 

يبدأُ التحولُ في النظام المعرفي حين يتعرضُ لأزمةِ نتيجةً لصعوباتٍ تواجههُ ويعجزُ المجتمعُ من خلالهِ عن الإجابةِ على هذه التحدياتِ الوجودية.

 

فتأتي الاستجابةُ على شكّلِ دفاعي أيضاً، حيث يلجئ القيمون الى الالتفاف بادئاً على هذهِ التحدياتِ عن طريقِ اختلاقِ التلفيقاتِ في النظريةِ وابتداعِ الأوهام ولكن سُرعانَ ما تتهاوى أمامَ الواقعِ الناتجِ وتَعجَزُ في رقع الثُقبِ لتبدأ الطروحات الفكرية الحديثة والتي يقوم بها عادة الجيلُ الجديد ويرفضها الشيوخُ ولكنها تنطلق لتؤسس نظام معرفي جديد من واقع النتائج المريرة للحالة السابقة.

 

ولكن ليس بالضرورة ان يحدث هذا التحول في النظام المعرفي حين يعاني من أزمة، فواقع الحال قد يلجأ هذا النظام إلى الانغلاق على نفسه وتحصينه عن طريق العديد من الآليات التي تعطل القدرة على المواجهة كفرض لوائح لأسباب الفشل ونماذج لحلها واستنباط بنود نظامية ودستورية يتخيل عقل واضعها أنها وسيلة النجاة كالنموذج السلفي أو اولئك الذين يرون العقد الاجتماعي عبارة عن مواد دستورية -متى التزمنا بها بغض النظر عن الواقع- ستحصل المعجزة !

 

وهذا حالُ النظام المعرفي السوري – من بغداد وصولاً الى حلب و”قوة لبنان في ضعفه” –  حين دخل عصر أزمته بعد سلسلة الانهيارات أمام الغزوات، حيث أعيد تشكيل هذا العصر ابتداءً مع الغزالي ونتج عنه انغلاق الخطاب وانكفائه على نفسه مما أدخل المجتمع ومؤسساته في شكل من أشكال النكوص استجابة للإحباط العام.

 

تشكّل في العصر الحديث مدرسة سورية أصيلة تؤسس بشكل واضح لنظام معرفي بديل قائم على التسلط والبعد الاستعماري بأشكاله المختلفة النفسية والمادية وضعها مؤسس الحركة السورية القومية الاجتماعية أنطون سعاده حيث أسس حزبه على قاعدة معرفية تقول بشكل واضح:

“نحنُ حركةٌ هجومية لا حركة دفاعية. نهاجم بالفكر والروح، ونهاجم بالأعمال والأفعال أيضًا”.

 

إنَّ الإنكفاء الذي أضفاه اغتيال سعاده فجر الثامن من تموز 1949 وتحوّل حركته الى القاعدة الدفاعية شكل تخلي واضح عن النظام المعرفي القومي الاجتماعي الذي سيطرت عليه ثلة من الانكفائيين المتأثرين بالنتائج المترتبة عن سايكس-بيكو والتيارات الغربية الليبرالية والتي فرضت بفعل طبيعة الحركة انتفاضات منهجية مباشرة كحالة الشهيد وسيم زين الدين وغير مباشرة كحالة الشهيد كمال خيربك.

 

حتى استطاعت هذه المدرسة الجديدة انتزاع حقيقتها بغفلة عن المستعمر مع العمليات الاستشهادية إبان الاحتلال اليهودي لبيروت مستعيدةً مؤسساتها من يد الفئوية المريضة. وما اليوم تشكيلات “نسور الزوبعة” و”الفداء القومي” المقاتلة من العراق والشام وصولاً الى فلسطين إلا تعبير حي عن هذه النفسية الصراعية الناتجة عن نظام معرفي هجومي، تُلزم نشوء تيار فكري موازي يكسر احتكار الفئوية للمظلة الثقافية وتبدد وهمها واستغبائها للمجموع.

 

 وفي أيِّ لحظةٍ تتراجعُ فيهِ هذه الحركةِ عن مُمارسةِ هذا الشكّلِ من العُنفِ ستنغلِقُ على نفسِها وتستضم بداخلها لأنَّ طبيعتها التي أُسستْ عليها تُشكّل انتفاضاتٍ مُتتاليةٍ فإما يكون الانفجار الهجوميّ إلى الخارجِ أو تنفجر من الداخلِ متى خالفت طبيعتها.

ولذلك إنَّ التشكيلات المترتبة عن الحلات الانكفائية ضمن العقل الناتج عن سايكس-بيكو سيؤدي بها حتماً اما الى الموت السريري أو الى الاغتيال السياسي.

ولتحي سورية

Share this:

Comments

Author : admin

admin

جميع المقالات والمواد الواردة في هذا الموقع محمية حقوق النشر والطبع لذلك يمنع نسخها او استخدامها الا بعد ذكر مصدرها ونسبها للموقع

RELATED POSTS

Leave A Reply