سعاده.. سلوك سيادي حصّن النهضة

img

بقلم الأمين كمال نادر

إستشهد سعاده لأنه خاض الصراع المصيري بكل أبعاده وبدون مساومة أو تردد أو تراجع. منذ تأسيس الحزب كان يدرك أنه يدخل في مواجهة خطيرة مع الدول التي تحتل سورية وتقتطع أجزاء منها، ومع اليهودية العالمية ومشروعها الصهيوني الخطير، ومع الطائفية والاقطاع المستشرية في داخل مجتمعنا.

برغم كل هذه الصعوبات خاض الصراع ولم يقف على الحياد. وقال سنغيّر وجه التاريخ ونبدأ تاريخنا الصحيح ونؤسس الدولة السورية القومية الجديدة بنظامها السياسي الاجتماعي الاقتصادي والدفاعي والأخلاقي، ووضع لذلك المبادئ وأوضح مشروعه في الخطاب المنهاجي الأول سنة 1935.

كان بإمكان سعاده أن يكتفي بالكتابة والتنظير الإصلاحي وبالفلسفة وعلم الاجتماع وأن ينكفئ الى الموقع الذي إرتضاه الإصلاحيون والأدباء، مثلما فعل جبران خليل جبران وزملاؤه لكنه لم يقبل أنصاف الحلول أو أن يكون حيادياً في لعبة الأمم وأعلن أنه “لا يمكن أن تنهض أمةٌ إلا بقضية كبرى شاملة كل نواحي الحياة”، وقال إن الصراع هو طريق الحياة وأن الاستسلام هو طريق الموت.

كان هجومياً ومقداماً وشجاعاً فوق العادة. ورأيناه في المحكمة الأولى سنة 1935 يهاجم القاضي الفرنسي ويتهم فرنسا بأنها تتآمر على بلادنا، وتحول أنطون سعاده من متّهم الى مهاجم ولم يقبل أن ينكفئ الى الدفاع.

وعندما خرج من السجن الأول خاض مواجهة رئيسية مع السلطة في يوم بكفيا 1937  ثم في يوم عماطور ولو تراجع لكان الحزب إنتهى الى جمعية فكرية وخيرية.

إنخرط في ثورة فلسطين سنة 1936 رغم إمكانات الحزب المحدودة لأن الوطن في خطر ولأنه لا يمكن أن يقف مكتوفاً أو متفرجاً.

خلال إغترابه القسري تابع توجيه حزبه الى الصراع وخاض القوميون المواجهات مع الإنتداب الفرنسي في لبنان والشام وقدّموا تضحيات ولعبوا أدواراً رئيسية في حرب الإستقلال.

ويوم عاد الى الوطن في 2 آذار 1947 وضع الحزب في حالة إستعداد لإنقاذ فلسطين، ثم أعلن التعبئة العامة في 1 كانون الأول 1947 وإنخرط في حرب الإنقاذ سنة 1948 لكن الأنظمة العربية المتآمرة مع اليهود والإنكليز منعت السلاح عن الحزب القومي وخذلت الجيوش العربية وجيش الانقاذ وباعت فلسطين فوقعت “النكبة”.

هل وقع سعاده في اليأس والإحباط؟ كلا، بل صمّم على أن يحرر فلسطين معتمداً على حزبه فقط وبدأ الإعداد والتدريب العسكري، لكن اليهود وحلفاءهم في بيروت والشام ومصر قرروا قتله وضرب حزبه، وتحرّك موشي شاريث (وزير خارجية العدو) بين هذه العواصم وتمت المؤامرة التي ابتدأ تنفيذها في حادثة الجميزة في 9 حزيران 1949 واستمرت  فصولها بين بيروت ودمشق إلى أن كان تسليمه في 6 تموز ومحاكمته في 7 تموز ونفّذ الإعدام في الساعتين الأوليين من فجر 8 تموز.

هذه السيرة الصراعية التي لا تهادن ولا تعرف التراجع أو الحياد شكّلت نهجاً سار عليه الحزب فتابع مقاتلة اليهود على الجبهة السورية بقيادة غسان جديد وضباط آخرين وقدّم الحزب شهداء في قتال اليهود، ونما الحزب نمواً كبيراً وشارك في كل المعارك السياسية والعسكرية التي وقعت في لبنان والشام وتعرّض لضربات قاسية ورغم ذلك إستمر في الصراع وعندما حصل إجتياح لبنان سنة 1982 خاض غمار المقاومة وكان طليعياً فيها وقدّم الشهداء وأسس جبهة المقاومة الوطنية كما خاض المعارك ضد اليهود الداخل، ولم يقف على الحياد… ثم فاجأ العالم وفاجأ الاصدقاء قبل الاعداء والأخصام في السنوات الأخيرة عندما تعرّضت سورية بكل كياناتها لخطر الفناء والتفتت في حرب الإرهاب الدولي العربي التي تشن عليها. فإذا بالحزب يقاتل في كل مكان ويعطي قدوةً في الشجاعة والاخلاص والشرف فيلتف الشعب حوله ويرفده بالألوف من الشباب يتطوعون للقتال تحت راية الزوبعة، جنباً الى جنب مع المقاومة ومع الجيشين السوري واللبناني ومع الحشد الشعبي في العراق، فإما أن ننتصر معاً وإما أن ينتصر الارهاب والتكفير وتسود ثقافة التخلف والمذابح والتدمير والسبي والعمالة للعدو وعندئذٍ ستقسّم سورية من جديد وتنحدر نحو العبودية والضعف الأبدي.

Share this:

Comments

Author : admin

admin

جميع المقالات والمواد الواردة في هذا الموقع محمية حقوق النشر والطبع لذلك يمنع نسخها او استخدامها الا بعد ذكر مصدرها ونسبها للموقع

RELATED POSTS

Comments are closed.